دراسة شملت 17,972 أمريكيًا على مدار 22 عامًا تربط التطوع بتباطؤ التراجع المعرفي لدى حاملي جين APOE ε4 ، وتقدير نمذجي يشير إلى فارق يقارب عامين في الوصول إلى مستوى معين من الضعف المعرفي.
قد لا تقتصر فائدة مساعدة الآخرين على الأثر الاجتماعي والنفسي؛ إذ تشير دراسة علمية حديثة إلى أن التطوع المنتظم قد يرتبط أيضًا بتراجع أبطأ في الذاكرة والتفكير لدى كبار السن الحاملين لأحد أبرز العوامل الجينية المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بمرض ألزهايمر.
ووجد الباحثون أن بدء التطوع والاستمرار فيه ارتبطا بتباطؤ التراجع المعرفي المرتبط بالمتغير الجيني APOE ε4، حتى عند مستويات مشاركة محدودة. وفي المقابل، لم تظهر مشاركة التطوع لساعات طويلة بالضرورة ارتباطًا إضافيًا واضحًا بالفائدة نفسها.
الدراسة المنشورة في دورية Alzheimer’s & Dementia اعتمدت على بيانات 17,972 شخصًا من الولايات المتحدة، جُمعت بين عامي 1998 و2020 ضمن دراسة الصحة والتقاعد، التي تتابع الأمريكيين في منتصف العمر وكبار السن.
وقاد البحث ساي هوانج هان من جامعة تكساس في أوستن، بمشاركة جيسيكا فول من جامعة ميشيجان.
أقل من ساعتين أسبوعيًا.. ارتباط لافت بصحة الذاكرة
من أبرز نتائج الدراسة أن الأشخاص الذين بدأوا التطوع لمدة تتراوح بين ساعة و99 ساعة سنويًا أظهروا ارتباطًا بتباطؤ التراجع المعرفي المرتبط بجين APOE ε4.
ويعادل هذا المستوى أقل من ساعتين أسبوعيًا في المتوسط. كما ظهر ارتباط مشابه لدى من تطوعوا بين 100 و199 ساعة سنويًا، أي ما يقارب ساعتين إلى أربع ساعات أسبوعيًا.
لكن الدراسة لم تجد ارتباطًا واضحًا إضافيًا لدى من انتقلوا إلى مستوى تطوع يبلغ 200 ساعة سنويًا أو أكثر.
ولا تثبت هذه النتيجة أن التطوع المكثف ضار، بل تعني أن الباحثين لم يرصدوا فائدة واضحة إضافية عند هذا المستوى ضمن التحليل.
وطرح الباحثون احتمال أن تؤدي الالتزامات المفرطة أحيانًا إلى ضغوط أو أعباء تقلل من الفوائد المحتملة، لكنهم لم يختبروا هذه الآلية مباشرة.
وتدعم النتائج فكرة أن المشاركة الاجتماعية المنتظمة قد تكون خيارًا عمليًا يمكن دمجه في الحياة اليومية، من دون الحاجة إلى التزامات تطوعية كبيرة.
ما علاقة جين APOE بمرض ألزهايمر؟
ركزت الدراسة على جين يُعرف باسم APOE، الذي توجد له نسخ مختلفة، من بينها النسخة ε4 المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر في مراحل لاحقة من العمر، وباحتمال تراجع الذاكرة والقدرات المعرفية بوتيرة أسرع.
ووجود نسخة واحدة أو نسختين من ε4 لا يعني أن الشخص سيصاب حتمًا بالمرض؛ فالجينات أحد عوامل الخطر، وليست حكمًا نهائيًا على مستقبل الفرد الصحي.
وفي عينة الدراسة، حمل نحو 25.2% من المشاركين نسخة واحدة من هذا المتغير الجيني، بينما حمل 2.3% نسختين. أما الباقون فلم يحملوا نسخة ε4.
وكان الأشخاص الذين يحملون نسختين هم الأكثر تعرضًا للتراجع المعرفي في المتوسط.
وفي هذه الفئة تحديدًا، ارتبط بدء التطوع والاستمرار فيه بمسار أبطأ للتراجع مقارنة بالمسار الذي قدره النموذج لمن لم يتطوعوا.
هل يمكن أن يؤخر التطوع مشكلات الذاكرة عامين؟
قدمت الدراسة مثالًا توضيحيًا لنتائج النمذجة: شخص يبلغ 60 عامًا ويحمل نسختين من APOE ε4، ويبدأ التطوع ويواصل المشاركة، قد يصل إلى درجة اختبار تُستخدم للإشارة إلى وجود ضعف معرفي بعد نحو عامين، مقارنة بالمسار المتوقع في حالة عدم التطوع.
لكن هذا الرقم ليس دليلًا على أن التطوع يؤخر تشخيص ألزهايمر عامين، ولا يعني أن كل شخص يتطوع سيحصل على هذه النتيجة.
إنه تقدير مستمد من نموذج إحصائي لمسارات درجات الاختبارات المعرفية، في سيناريو محدد، وليس نتيجة تجربة سريرية أثبتت تأخير المرض نفسه.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين إبطاء التراجع في نتائج الاختبارات وبين منع المرض أو تأخير تشخيصه؛ فهما نتيجتان مختلفتان، ولا تسمح الدراسة بالجزم بالثانية.
لماذا تابع الباحثون المتطوعين لأكثر من عقدين؟
اعتمد الفريق على بيانات دراسة الصحة والتقاعد الأمريكية، التي تجمع معلومات دورية عن الذاكرة والتفكير والحياة الاجتماعية والاقتصادية والصحية للمشاركين.
وشملت الاختبارات مهامًا مثل تذكر الكلمات، وإجراء عمليات حسابية بسيطة، والعد التنازلي.
كما أجاب المشاركون عن أسئلة بشأن التطوع لدى المؤسسات الخيرية أو التعليمية أو الصحية وغيرها، إلى جانب المساعدة غير المدفوعة للأصدقاء والجيران والأقارب الذين لا يعيشون معهم.
وتميز التحليل بمتابعة التغيرات لدى الشخص نفسه عبر الزمن، بما أتاح للباحثين مقارنة مسار قدراته المعرفية قبل بدء التطوع وبعده، مع مراعاة عوامل أخرى، مثل الثروة والعمل والزواج وأعراض الاكتئاب وصعوبات الأنشطة اليومية.
ومع ذلك، فإن استخدام نماذج إحصائية متقدمة ومتابعة المشاركين لسنوات طويلة لا يحول الدراسة الرصدية إلى تجربة تثبت السبب والنتيجة.
التطوع المنظم أم مساعدة الجيران والأقارب؟
فرّق الباحثون بين نوعين من المساعدة: التطوع الرسمي من خلال المؤسسات، والمساعدة غير الرسمية للأصدقاء والجيران والأقارب خارج المنزل.
وكان الارتباط بتباطؤ التراجع المعرفي المرتبط بمتغير APOE ε4 أوضح في التطوع المنظم على مستوى العينة ككل. أما المساعدة غير الرسمية، فلم يظهر ارتباط واضح مماثل لدى جميع المشاركين.
لكن النتائج اختلفت لدى المشاركين من أصول لاتينية؛ إذ ارتبط بدء مساعدة الآخرين خارج المنزل بتراجع معرفي أبطأ لدى حاملي المتغير الجيني، خصوصًا عند مستويات المشاركة المحدودة.
ويجب التعامل مع هذه النتيجة بحذر، لأن المجموعة الفرعية كانت أصغر، ما يجعل تقديراتها أقل يقينًا.
كما أن الدراسة لم تقِس بالتفصيل المعنى الشخصي أو الثقافي للمساعدة، ولذلك لا يمكن تحديد سبب الاختلاف بصورة قاطعة.
كيف يمكن لمساعدة الآخرين أن ترتبط بصحة الدماغ؟
طرح الباحثون عدة تفسيرات محتملة تستحق الدراسة، من بينها أن التفاعل الاجتماعي الهادف قد يرتبط بتنظيم أفضل للاستجابة للضغوط، وانخفاض بعض مؤشرات الالتهاب، وتحسن عوامل مرتبطة بصحة الأوعية الدموية.
وتكتسب هذه المسارات أهمية لأن APOE ε4 يرتبط بعمليات بيولوجية متعددة، تشمل الالتهاب العصبي ووظائف الأوعية الدموية وتنظيم الاستجابة للتوتر.
لكن الدراسة الحالية لم تقس هرمونات التوتر أو الالتهاب أو التغيرات داخل الدماغ، ولذلك لا يمكن اعتبار أي من هذه التفسيرات آلية مثبتة تشرح الارتباط الذي رصده الباحثون.
وقد يكون التطوع أيضًا فرصة للتفاعل مع الآخرين والمشاركة في أنشطة ذات معنى، لكن تحديد العناصر المسؤولة عن النتائج يتطلب دراسات إضافية.
ما حدود النتائج؟ وهل تنطبق على الجميع؟
رغم حجم العينة وطول فترة المتابعة، توجد قيود مهمة.
- أولًا، لم يوزع الباحثون المشاركين عشوائيًا على مجموعات تطوع وعدم تطوع، لذلك لا يمكن استبعاد تأثير عوامل أخرى مرتبطة باختيار التطوع.
- ثانيًا، قد يكون تراجع الذاكرة نفسه سببًا في صعوبة الاستمرار في الأنشطة التطوعية، حتى مع استخدام الباحثين تحليلات إضافية لمحاولة تقليل هذا الاحتمال.
-
ثالثًا، اعتمدت الدراسة على بيانات أمريكية، ولا يزال من الضروري اختبار ما إذا كانت النتائج تتكرر في بلدان ومجتمعات أخرى تختلف فيها أنماط العمل التطوعي والعلاقات الاجتماعية.
كما أن الاختبارات المعرفية المستخدمة لا تساوي تشخيصًا طبيًا بمرض ألزهايمر، ولا تكشف وحدها عن التغيرات البيولوجية التي تحدث في الدماغ.
ويرى الباحثون أن دراسات التدخل التي توفر فرصًا منظمة للتطوع وتتابع القدرات المعرفية للمشاركين يمكن أن تقدم دليلًا أقوى على ما إذا كان التطوع نفسه يسهم في إبطاء التراجع المعرفي.
فائدة اجتماعية واعدة.. لكن لا يوجد ضمان طبي
تضيف الدراسة دليلًا جديدًا إلى الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين المشاركة الاجتماعية والشيخوخة الصحية، إذ وجدت أن بدء التطوع والاستمرار فيه ارتبطا بتباطؤ التراجع المعرفي المرتبط بمتغير APOE ε4، مع ظهور الارتباط عند مستويات مشاركة متواضعة.
لكن النتائج لا تثبت أن التطوع يمنع ألزهايمر أو يغني عن الرعاية الطبية، ولا تبرر إجراء فحوص جينية أو اتخاذ قرارات صحية اعتمادًا عليها وحدها.
والرسالة الأهم أن مساعدة الآخرين قد تكون نشاطًا اجتماعيًا ذا فوائد محتملة تتجاوز العمل الخيري، بينما تظل معرفة أثرها المباشر على مسار ألزهايمر بحاجة إلى تجارب ودراسات إضافية
