كشفت دراسة عالمية حديثة أن الكتلة المادية للمباني والطرق وغيرها من مكونات البيئة العمرانية تنمو بوتيرة أبطأ من نمو عدد السكان، ما يعني أن المدن الأكبر والأكثر كثافة سكانية تحتاج إلى مواد بناء أقل لكل فرد مقارنة بالمدن الصغيرة، بفضل تقاسم البنية التحتية والخدمات بين أعداد أكبر من السكان.
وأظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة نيويورك ونُشرت في دورية Nature Cities، أن المدينة التي يتضاعف عدد سكانها مقارنة بمدينة مماثلة لا تزيد كتلتها من المواد المبنية بالضرورة إلى الضعف، بل ترتفع بنحو 87% فقط.
ويظهر التأثير بصورة أوضح داخل المدن؛ إذ إن الحي الذي يضم ضعف عدد السكان مقارنة بحي آخر يحتاج إلى مواد بناء تزيد بنحو 68% فقط.
وتتحدى هذه النتائج الافتراض الشائع بأن احتياجات المدن من المباني والطرق والبنية التحتية تتناسب طرديًا مع عدد السكان، وتسلط الضوء على دور التخطيط العمراني والكثافة السكانية في تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الاحتياجات المادية للتوسع الحضري.
وقالت كانجنينج هوانج، الأستاذة المساعدة بجامعة نيويورك في شنغهاي وإحدى مؤلفتي الدراسة، إن النتائج تشير إلى المبالغة في تقدير كمية المواد اللازمة للمدن الكبيرة، محذرة من أن بعض السياسات التي تحد من الكثافة العمرانية، مثل فرض قيود على ارتفاع المباني، قد تحرم المدن من الوفورات المادية التي يمكن تحقيقها من خلال زيادة الكثافة السكانية المدروسة.
وأضاف مينجتشن لو، الأستاذ المساعد بقسم الدراسات البيئية بجامعة نيويورك والمؤلف المشارك، أن البصمة المادية للمدن تتحدد ليس فقط بحجمها، بل أيضًا بكيفية توزيع السكان داخلها، وبمدى قدرتهم على استخدام المرافق والبنية التحتية المشتركة.
المدن الأكبر تقلل نصيب الفرد من مواد البناء
اعتمدت الدراسة على تحليل العلاقة بين عدد السكان وكتلة المواد المستخدمة في البيئة العمرانية، بما يشمل المباني والطرق وشبكات النقل والبنية التحتية الأخرى.
وأظهرت النتائج، أن المدن الأكبر تحتفظ بكتلة أقل من المواد المبنية لكل فرد مقارنة بالمدن الأصغر، لأن المرافق المشتركة تخدم أعدادًا أكبر من السكان دون الحاجة إلى زيادة مماثلة في حجم الإنشاءات.
وتبرز وسائل النقل هذا الفرق بوضوح. ففي المجتمعات الصغيرة، قد يعتمد السكان بدرجة أكبر على السيارات الخاصة، التي تتطلب مساحات من الطرق لكل مركبة، بينما تتيح المدن الكبرى استخدام الحافلات ومترو الأنفاق لنقل أعداد كبيرة من الركاب عبر بنية تحتية مشتركة.
ووفقًا للأمثلة التي أوردها الباحثون، تحتاج السيارة المتحركة إلى نحو 35 مترًا مربعًا من مساحة الطريق، وتحمل في المتوسط 1.5 راكب، ما يعادل قرابة 23 مترًا مربعًا من مساحة الرصف لكل راكب.
في المقابل، تشغل الحافلة القياسية نحو 80 مترًا مربعًا من الطريق أثناء الحركة، لكنها تنقل نحو 30 راكبًا، لتنخفض المساحة المحسوبة لكل راكب إلى نحو 2.6 متر مربع.
وبذلك تقل مساحة الطريق المستخدمة لكل راكب في مثال الحافلة بنحو تسعة أضعاف مقارنة بالسيارة، وهو ما يوضح كيف يمكن لتقاسم وسائل النقل أن يخفض احتياجات البنية التحتية لكل فرد.
ولا يقتصر الأمر على النقل، إذ يمكن للمباني المتلاصقة والجدران والأساسات المشتركة أن تقلل المواد اللازمة لكل وحدة سكنية، مقارنة بمبانٍ منفصلة موزعة على مساحات واسعة.
الخدمات المشتركة تجعل الأحياء أكثر كفاءة
توضح الدراسة أن الكثافة السكانية لا تحقق وفورات مادية من خلال النقل وحده، بل أيضًا عبر تقاسم الخدمات اليومية والمرافق العامة.
واستشهد الباحثون بأحياء في مدينة نيويورك، مثل سوهو وويليامزبرج وهارلم ولونج آيلاند سيتي، حيث يستفيد السكان من شبكات المترو والمقاهي والصالات الرياضية ومغاسل الملابس ومحال البقالة المشتركة.
ويسمح هذا النموذج بتقليل الحاجة إلى توفير جميع المرافق داخل كل مسكن على حدة. فبدلًا من تخصيص مساحة في كل شقة لغرفة غسيل أو صالة رياضية، يمكن للسكان استخدام مرافق مشتركة خارج منازلهم، بما يحد من المساحات المبنية والمواد اللازمة لتشييدها.
كما تسهم الشقق الأصغر حجمًا، عندما تقترن بخدمات مشتركة يسهل الوصول إليها، في رفع كفاءة استخدام المواد على مستوى الحي، وفق تفسير الباحثين.
وتشير هذه الآلية إلى أن تقييم استدامة المدن لا ينبغي أن يعتمد على حجم المباني أو عددها فقط، بل يجب أن يأخذ في الحسبان عدد السكان الذين تخدمهم تلك المباني والمرافق، ومدى تكاملها مع شبكات النقل والخدمات.
تحليل أكثر من 3 آلاف مدينة حول العالم
تُعد الدراسة أول محاولة عالمية لحساب الكتلة المادية للبيئة العمرانية على مستويات متعددة، من الأحياء إلى المدن بأكملها، بحسب الباحثين.
واعتمد هوانغ ولو على خرائط مستمدة من بيانات الأقمار الصناعية، شملت المباني والطرق ومترو الأنفاق والأسطح المرصوفة في أكثر من 3 آلاف مدينة حول العالم.
وباستخدام هذه البيانات، قدّر الباحثان إجمالي كتلة المواد المستخدمة في البيئات العمرانية بنحو 327 مليار طن، أو 297 مليار طن متري.
وأظهرت النتائج أن هذه الكتلة الهائلة لا ترتفع بالتناسب مع الكثافة السكانية؛ إذ تنمو كتلة المواد المبنية بمعدل أقل من نمو عدد السكان على مستوى المدن، وهو نمط يفسره الباحثون بكيفية تجمع السكان داخل الأحياء وتقاسمهم البنية التحتية.
ويوضح النموذج الرياضي الذي طوره الباحثون أن الكفاءة المادية للمدن الكبيرة تنشأ جزئيًا من تقارب المباني وتشارك الجدران والأساسات والطرق، ومن قدرة البنية التحتية الواحدة على خدمة عدد أكبر من الأشخاص في الوقت نفسه.
وأتاح الباحثون خريطة تفاعلية للمدن التي شملتها الدراسة، تُمكّن من استكشاف البيانات والعلاقة بين حجم المدن وكتلتها العمرانية.
تخطيط عمراني يتجاوز حسابات الفرد الواحد
رغم ما تكشفه النتائج من وفورات مادية محتملة في المدن الكبيرة والكثيفة، لا تعني زيادة الكثافة السكانية وحدها ضمان الاستدامة أو تحسن جودة الحياة.
ويقر الباحثون بأن النمو الحضري غير المنضبط والتكثيف العمراني قد يزيدان الضغوط الاجتماعية والصحية العامة، إذا لم يصاحبهما تخطيط مناسب وتوفير كافٍ للخدمات والمساحات العامة والبنية التحتية.
لذلك، يدعو الباحثون إلى تجاوز المقاييس التقليدية التي تفترض احتياج كل فرد إلى المقدار نفسه من المواد والبنية التحتية، واستخدام مؤشرات تراعي حجم المدينة وكثافتها وطريقة توزيع السكان داخلها.
وترى الدراسة أن فهم المدن بوصفها أنظمة مترابطة، تتداخل فيها الأحياء وشبكات النقل والمرافق والخدمات، يمكن أن يساعد المخططين على تقدير احتياجات البناء بصورة أدق، وتوجيه التوسع الحضري نحو استخدام أكثر كفاءة للموارد.
وتوفر النتائج أساسًا لتحسين قرارات التخطيط والبناء في ظل النمو السكاني الحضري، لكنها لا تعني أن الكثافة الأعلى هي الخيار الأفضل في جميع الحالات؛ إذ تظل النتائج الاجتماعية والصحية والبيئية مرهونة بكيفية إدارة هذا النمو وجودة الخدمات المتاحة للسكان.
