كتب: محمد كامل
أكد خبراء وقيادات مركز البحوث الزراعية ضرورة الانتقال بالبحث العلمي الزراعي من مرحلة إنتاج النتائج والدراسات إلى حلول تطبيقية تصل فعليًا إلى المزارعين، مع إعادة توجيه البرامج البحثية نحو التحديات الأكثر إلحاحًا أمام الإنتاج الزراعي، وفي مقدمتها تغير المناخ، وندرة المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وانتشار الآفات والأمراض.
وشددت قيادات المركز، خلال ورشة العمل السنوية للمحاصيل الشتوية لعام 2026، على أن المرحلة المقبلة تتطلب برامج بحثية أكثر ارتباطًا بالمشكلات الحقيقية التي يواجهها الفلاح في الحقل، مع تحديد أطر زمنية واضحة لتحويل نتائج البحوث القابلة للتطبيق إلى ممارسات إنتاجية، ومواصلة التجارب على النتائج التي تحتاج إلى مزيد من الاختبار والتقييم قبل تعميمها.
وقال الدكتور مجاهد حلمي، مدير معهد بحوث المحاصيل الحقلية، إن ورشة العمل تمثل وقفة علمية لمراجعة ما جرى إنجازه وتقييم النتائج والاستفادة منها في تطوير منظومة البحث الزراعي، مؤكدًا أن دور المعهد لا يقتصر على إجراء البحوث، وإنما يمتد إلى دعم منظومة الأمن الغذائي ومواجهة التحديات المتغيرة التي تفرضها الظروف المناخية والاقتصادية.
وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، وظهور آفات وأمراض جديدة، تفرض ضرورة تطوير أصناف وهجن أكثر قدرة على التكيف مع الظروف المناخية الصعبة، بما يحافظ على مستويات الإنتاجية ويحد من المخاطر التي تهدد المحاصيل الاستراتيجية.
البحث الزراعي أمام تحديات جديدة.. مناخ ومياه وأسعار ومدخلات إنتاج
وأوضح أن التحديات التي تواجه الزراعة لم تعد مرتبطة فقط بالعوامل الطبيعية، وإنما تتداخل معها متغيرات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة، من بينها اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج والتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية هدفًا يتطلب دعمًا بحثيًا مستمرًا وليس استجابة مؤقتة للأزمات.
وأكد أهمية أن تتجه البرامج البحثية إلى استباق المشكلات بدلًا من انتظار ظهور آثارها في الحقول، من خلال استنباط أصناف وهجن تتحمل ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه، وتتمتع بمقاومة أفضل للأمراض والآفات، إلى جانب العمل على تحسين جودة المنتج وخفض تكلفة الإنتاج.
ولفت إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب توسيع التعاون بين معاهد ومراكز البحوث الزراعية والمعامل التابعة للمركز، إلى جانب الجامعات المصرية والمؤسسات البحثية الوطنية والدولية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في تطوير برامج بحثية مشتركة تتوافق مع أولويات الدولة واحتياجات القطاع الزراعي.
«من البحث إلى التطبيق».. تحديد زمن وصول النتائج إلى المزارع
وشدد مدير معهد بحوث المحاصيل الحقلية على ضرورة وضع آلية واضحة لتقييم نتائج البرامج البحثية، بحيث يتم تمييز النتائج التي يمكن تطبيقها مباشرة في الحقول عن النتائج التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من التجارب، مع وضع إطار زمني للوصول بكل نتيجة إلى المرحلة المناسبة من التطبيق.
وتشمل الأولويات البحثية، بحسب ما جرى طرحه خلال الورشة، التعامل مع ندرة المياه وتغير المناخ، وخفض تكاليف الإنتاج، واستنباط أصناف مقاومة للأمراض والآفات، وتحسين جودة المحاصيل، إلى جانب تسريع نقل التكنولوجيا والمعرفة من المؤسسات البحثية إلى المزارعين.
ويعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا في مفهوم البحث الزراعي؛ إذ لا تتوقف قيمة البحث عند نشر النتائج أو إثبات نجاحها داخل المحطات البحثية، وإنما تقاس بقدرته على حل مشكلة حقيقية في الحقل وتحسين إنتاجية المزارع أو خفض تكلفته أو تقليل المخاطر التي يتعرض لها المحصول.
أصناف مقاومة للمناخ وندرة المياه.. نتائج ملموسة للبحوث الزراعية
من جانبه، أكد الدكتور أحمد رزق، رئيس قطاع الخدمات الزراعية والمتابعة، أن مركز البحوث الزراعية شهد خلال الفترة الأخيرة تطورًا ملحوظًا في عدد من المجالات، خاصة مع طرح أصناف جديدة تتميز بقدرتها على تحمل تأثيرات تغير المناخ وندرة المياه ومقاومة الآفات والأمراض، إلى جانب تحقيق نتائج إنتاجية ملموسة.
وأشار إلى أن جهود التطوير لم تقتصر على المحاصيل الحقلية، وإنما امتدت إلى قطاعات أخرى، من بينها الإنتاج الحيواني والداجني، فضلًا عن برنامج جديد لتطوير محاصيل الخضر، مؤكدًا أن المركز يمتلك تاريخًا طويلًا في خدمة الزراعة المصرية واستنباط الأصناف التي تتناسب مع الظروف المحلية.
من 18 إلى 24 مليون طن.. دور الأصناف الحديثة في تقليص فجوة الغذاء
وفي السياق نفسه، أكد الدكتور عبد العظيم الطنطاوي، رئيس مركز البحوث الزراعية الأسبق، أهمية البناء على نتائج ورشة المحاصيل الشتوية من خلال عقد ورشة مماثلة للمحاصيل الصيفية، على أن تنتهي المناقشات والتوصيات إلى برنامج بحثي جديد للعام التالي يضع دعم المزارع في مقدمة أولوياته.
وأوضح أن التكامل بين معاهد البحوث والمعامل المختلفة أسهم في سد جانب كبير من فجوة الغذاء، مشيرًا إلى ارتفاع إنتاج محاصيل استراتيجية، من بينها القمح والأرز والذرة، من نحو 18 مليون طن إلى نحو 24 مليون طن، وهو ما أرجعه إلى برامج التربية واستنباط الأصناف والسلالات الحديثة الأكثر مقاومة للأمراض والتغيرات المناخية.
واعتبر الطنطاوي أن هذا التطور يمثل أحد أبرز نتائج عمل معهد بحوث المحاصيل الحقلية، مؤكدًا ضرورة استمرار تطوير البرامج البحثية بما يواكب المتغيرات التي تواجه الزراعة المصرية.
ورشة المحاصيل الشتوية.. تقييم النتائج قبل بناء برنامج العام الجديد
جاء ذلك خلال فعاليات ورشة العمل السنوية للمحاصيل الشتوية لعام 2026، التي حملت عنوان «استدامة إنتاج المحاصيل الشتوية تحت ظروف تحديات الإنتاج»، والتي عُقدت تحت رعاية الدكتور علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، والدكتور عادل عبد العظيم، رئيس مركز البحوث الزراعية.
وشهدت الورشة مشاركة عدد من قيادات المركز والباحثين، من بينهم الدكتور مجاهد حلمي، مدير معهد بحوث المحاصيل الحقلية، والدكتور رمزي إستينو، وزير البحث العلمي الأسبق، والدكتور ماهر المغربي، نائب رئيس مركز البحوث الزراعية للإنتاج، والدكتور عبد العظيم الطنطاوي، رئيس المركز الأسبق، إلى جانب مديري المعاهد والمعامل والباحثين.
واستهدفت الورشة المتابعة المستمرة للبرامج البحثية وتقييم نتائجها ومراجعة ما تحقق منها، إلى جانب تبادل الخبرات والرؤى بشأن تطوير منظومة البحث الزراعي، وتحسين البرامج البحثية للمواسم المقبلة بما يتوافق مع احتياجات الزراعة المصرية والتحديات التي تواجه الإنتاج.
وتأتي أهمية هذا المسار في ظل حاجة القطاع الزراعي إلى تطوير أصناف أكثر قدرة على تحمل الضغوط المناخية والمائية، بالتوازي مع خفض تكلفة الإنتاج ورفع كفاءة استخدام الموارد، بما يجعل البحث العلمي أحد الأدوات الرئيسية لتعزيز الإنتاج المحلي ودعم الأمن الغذائي.
