تُظهر دراسة حديثة أن البيئة المحيطة بالمرأة الحامل، خاصة المساحات الخضراء القريبة من منزلها، قد تلعب دورًا مهمًا في صحة الجنين قبل الولادة.
وعلى الرغم من أن عوامل مثل التغذية والرعاية الطبية وتجنب المواد الضارة تُعد من المحددات المعروفة لصحة الحمل، فإن تأثير البيئة السكنية لا يزال أقل حضورًا في النقاشات الطبية.
وكشفت الدراسة أن زيادة المساحات الخضراء بالقرب من منزل الأم ترتبط بارتفاع وزن المواليد عند الولادة، وهو مؤشر مهم على صحة الطفل.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة “Frontiers in Public Health”.
قاد البحثَ فريقٌ من المعهد الوطني الإيطالي للصحة، برئاسة الباحثة ليزا باوليو، حيث اعتمدوا على تحليل مراجعات علمية سابقة بدلًا من إجراء دراسة جديدة، بهدف تقييم قوة الأدلة المتاحة.
وشملت الدراسة تسع مراجعات علمية اعتمدت على عشرات الأبحاث الأصلية، تضمنت عينات تراوحت بين مئات الحالات وأكثر من 3 ملايين ولادة، معظمها في مدن بالدول ذات الدخل المرتفع.
ورغم تفاوت جودة الدراسات، حيث صُنّف معظمها على أنه منخفض الجودة بسبب اختلاف طرق قياس المساحات الخضراء، فإن النتائج أظهرت اتجاهًا واضحًا: كلما زادت الخضرة حول المنزل، انخفض خطر انخفاض وزن المواليد.
ويُعرّف انخفاض وزن المواليد بأنه أقل من 2.5 كيلوجرام تقريبًا.
وفي محاولة لتجاوز التباين بين الدراسات، أعاد الباحثون تحليل البيانات وفق معيار موحد، ما قاد إلى اكتشاف لافت يتعلق بالمسافة المثالية لتأثير الخضرة.
وأظهرت النتائج أن وجود مساحات خضراء ضمن نطاق 300 متر، أي نحو ألف قدم من المنزل، يرتبط بانخفاض خطر انخفاض وزن المواليد بنسبة تصل إلى 12%.
وتميز هذا النطاق بكونه الأكثر اتساقًا في النتائج مقارنة بمسافات أخرى، حيث تراجعت قوة التأثير كلما ابتعدت أو اقتربت المسافة عن هذا الحد.
واعتمد الباحثون في قياس الخضرة على بيانات الأقمار الصناعية باستخدام مؤشر يُعرف باسم “NDVI”، الذي يقيس كثافة الغطاء النباتي بناءً على انعكاس الضوء.
وتشير النتائج إلى أن زيادة طفيفة في مستوى الخضرة قد تؤدي إلى تحسن بسيط في وزن المولود، إلا أن هذا التأثير يتراكم ليصبح مهمًا على مستوى المدن.
ورغم أن تحسين جودة الهواء يُعد أحد التفسيرات المحتملة لهذه النتائج، فإن الدراسات تشير إلى أن هذا العامل لا يفسر التأثير بالكامل.
وقد تلعب عوامل أخرى دورًا، مثل انخفاض درجات الحرارة تحت الأشجار، وزيادة فرص النشاط البدني، وتقليل مستويات التوتر لدى الأمهات.
في المقابل، لم تتوصل الدراسة إلى نتائج حاسمة بشأن تأثير المساحات الخضراء على الولادة المبكرة، حيث ظلت الأدلة متباينة وغير كافية لاستخلاص استنتاج واضح.
ويرجح الباحثون أن عوامل مثل عمر الأم، ومستوى التعليم، والتدخين قد يكون لها تأثير أكبر في هذا الجانب.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام صناع القرار في التخطيط العمراني لتعزيز المساحات الخضراء داخل المدن، لما لها من آثار إيجابية محتملة على الصحة العامة.
كما قد تساعد هذه المعطيات في تطوير سياسات بيئية وصحية تستهدف تقليل مخاطر الولادة منخفضة الوزن.
