كشفت دراسة جيولوجية حديثة عن آلية معقدة وغير مرئية لإعادة تدوير القارات داخل باطن الأرض، وهي عملية قد تفسر تكوين سلاسل الجبال القديمة وتركيب الصخور التي حيّرت العلماء لعقود.
وتشير النتائج إلى أن القشرة القارية لا تبقى ثابتة كما كان يُعتقد سابقًا، بل تدخل في دورة جيولوجية عميقة تبدأ مع تصادم الصفائح التكتونية وتستمر لملايين السنين داخل طبقات الأرض.
وخلال تصادم القارات، كما يحدث في مناطق مثل جبال الهيمالايا والألب، تنضغط الصخور وتندفع إلى أعماق كبيرة، حيث تنفصل الطبقات الأخف من القشرة العليا عند عمق يقارب 60 ميلًا تحت سطح الأرض، ثم تبدأ في الصعود مرة أخرى.
هذه العملية، التي أطلق عليها العلماء اسم “إعادة الالتحام القشري” (Relamination)، تؤدي إلى التصاق المواد الصاعدة بأسفل الصفيحة التكتونية المقابلة، ما ينتج منطقة مختلطة تجمع بين مكونات القشرة الأرضية ومواد الوشاح العميقة.
ومع مرور ملايين السنين، ترتفع درجة الحرارة داخل هذه المناطق المختلطة، لتبدأ في الانصهار تدريجيًا، ما يؤدي إلى تكوين صهارات جيولوجية تُشاهد في سلاسل الجبال حول العالم.
واعتمدت الدراسة، التي قادها الباحث دانييل غوميز فروتوس من جامعة بورتسموث البريطانية، على نماذج حاسوبية وتجارب مخبرية عالية الضغط لمحاكاة هذه العمليات العميقة.
وأظهرت التجارب أن المزج بين صخور “البيريدوتيت” الممثلة للوشاح الأرضي، وبين مواد من القشرة القارية العلوية، ينتج تركيبًا كيميائيًا مطابقًا للصخور التي عُثر عليها في مناطق تصادم القارات القديمة.
وتتميز هذه الصخور بارتفاع نسب المغنيسيوم والبوتاسيوم وبعض العناصر النادرة، مع انخفاض واضح في نسبة الكالسيوم، وهو نمط كيميائي ظل يثير تساؤلات علمية لسنوات طويلة.
كما كشفت النماذج أن ظهور هذه الصهارات يحدث عادة بعد نحو 16 مليون سنة من تصادم القارات، وهي فترة تأخير كانت غير مفسرة في الدراسات السابقة، قبل أن يتضح أنها تمثل الزمن اللازم لعملية الغوص والصعود وإعادة الاختلاط.
وأشار الباحثون إلى أن سرعة حركة الصفائح التكتونية تلعب دورًا مهمًا في تحديد توقيت هذه العمليات، حيث تؤدي الحركات الأسرع إلى تسريع الدورة الجيولوجية بأكملها.
ومن أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن هذه الآلية قد تكون موجودة منذ العصور الجيولوجية المبكرة للأرض، قبل أكثر من 3 مليارات سنة، ما يعني أن نظام الصفائح التكتونية الحديث قد يكون أقدم مما كان يُعتقد سابقًا.
ويعيد هذا الاكتشاف النظر في فكرة أن القشرة الأرضية تتحرك في اتجاه واحد فقط، حيث تشير النتائج إلى أن القارات تخضع لدورة مستمرة من الغوص في باطن الأرض ثم العودة إلى السطح في شكل صخور جديدة.
ويؤكد العلماء أن هذا الفهم الجديد قد يغير طريقة تفسير الصخور القديمة في القارات، ويفتح الباب أمام إعادة قراءة تاريخ تكوين الأرض وتطورها الجيولوجي عبر مليارات السنين.
