كشف علماء الفيزياء عن وجود نظام وترتيب مفاجئ داخل واحدة من أكثر الحالات غموضًا في علم المواد الحديث، وهي حالة تقع في منطقة وسطى غريبة تبدأ فيها الإلكترونات بتغيير سلوكها، دون أن تصل بعد إلى مرحلة التوصيل الفائق الكامل.
وعلى عكس التوقعات التي تفترض الفوضى، أظهرت النتائج أن النظام يحتفظ بأنماط منسّقة عند النقطة التي يبدأ فيها السلوك الكهربائي التقليدي في الانهيار. وتشير هذه النتائج إلى أن هذا التحول تحكمه بنية خفية، وليس مجرد عشوائية.
وباستخدام مُحاكٍ معملي صُمم لمحاكاة تفاعلات الإلكترونات مع تلاشي المقاومة، تمكن باحثون في معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية من رصد هذا التنسيق الخفي داخل نطاق ضيق يُعرف بالحالة الانتقالية.
ما هي «الفجوة الكاذبة»؟
يطلق العلماء على هذه المنطقة الانتقالية اسم «الفجوة الكاذبة»، وهي حالة تختفي فيها بعض المسارات المعتادة لحركة الإلكترونات، ما يقلل من قدرتها على التحرك بحرية، ويجعل المادة تتصرف بشكل مختلف عن المعادن التقليدية.
وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في مواد قائمة على النحاس، حتى قبل أن تدخل في مرحلة نقل التيار الكهربائي دون مقاومة. ويؤدي غياب الفهم الدقيق لما يحدث داخل هذه الحالة إلى إعاقة تطوير مواد فائقة التوصيل، حيث يعتمد التقدم فيها غالبًا على التخمين العلمي.
نُشرت الدراسة في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (PNAS).
بقاء المغناطيسية رغم فقدان الإلكترونات
عندما تملأ الإلكترونات الشبكة البلورية بشكل منتظم، تصطف اتجاهاتها المغناطيسية في نمط متناوب يحافظ على استقرار النظام. والمفاجأة أن هذا الترتيب المغناطيسي لا يختفي فور إزالة بعض الإلكترونات، بل يظل قائمًا عند درجات حرارة منخفضة جدًا.
ويمثل هذا الاكتشاف قيدًا مهمًا على النظريات المطروحة، لأن المغناطيسية المتبقية قد تحدد ما إذا كانت الإلكترونات ستتزاوج لاحقًا لتشكيل حالة التوصيل الفائق، أو ستظل منفصلة.
شبكة ضوئية بديلة للمواد الصلبة
لتبسيط المشكلة، استخدم الباحثون نموذج فيرمي–هابارد، وهو نموذج نظري يصف حركة الإلكترونات وتنافرها داخل شبكة. وأعاد الفريق بناء هذا النموذج باستخدام شبكة من الضوء شكلتها أشعة الليزر لحبس ذرات الليثيوم، مع تبريدها إلى درجات قريبة من الصفر المطلق.
وباستخدام مجهر غاز كمي قادر على رصد الذرات فرادى، التقط العلماء أكثر من 35 ألف صورة كشفت مواقع الذرات واتجاهات Spins الخاصة بها، ما أتاح مراقبة تشكّل الأنماط المغناطيسية أو تلاشيها مع تغيير درجة الحرارة وكثافة الإلكترونات.
المغناطيسية تنظّم الفوضى
عند مقارنة آلاف التجارب، ظهر نمط واضح: سلوك المغناطيسية في النظام يتبع مقياسًا حراريًا واحدًا مرتبطًا بعدد الإلكترونات المزالة من الشبكة.
وقال توماس شالوبان، الباحث الرئيسي في الدراسة: «تتبع الارتباطات المغناطيسية نمطًا عالميًا واحدًا عند رسمها وفق مقياس حراري محدد».
ويشير تزامن ظهور هذا المقياس مع نشوء «الفجوة الكاذبة» إلى أن المغناطيسية قد تكون عاملًا منظمًا لهذه الحالة، لا نتيجة لفوضى عشوائية.
كما كشفت الصور فائقة الدقة عن سلوك منسّق يمتد عبر مجموعات كبيرة من الجسيمات، وليس مجرد تفاعلات ثنائية بسيطة. بل إن فقدان إلكترون واحد فقط أدى إلى اضطراب واسع في أنماط Spins المحيطة، ما يضع تحديًا أمام النظريات التي تفترض استقلالية الإلكترونات.
نحو فهم أعمق للتوصيل الفائق
قارن الفريق نتائجه بعدة محاكاة نظرية مستقلة، ولاحظ توافقًا كبيرًا، ما عزز موثوقية المقياس المكتشف، مع بقاء فجوات عند نسب فقدان إلكترونات أعلى، حيث لا تزال النظريات تعاني.
وفي المواد فائقة التوصيل القائمة على أكاسيد النحاس، لطالما كانت المغناطيسية مرشحًا رئيسيًا لتفسير «الفجوة الكاذبة»، وتشير النتائج الجديدة إلى أن التغيرات المغناطيسية السريعة قد تعيق حركة الإلكترونات وتحد من مسارات نقل التيار.
ويخطط الباحثون لدفع التجربة إلى درجات حرارة أقل، حيث قد تظهر أنماط جماعية جديدة قد تعيق أو تمهّد الطريق للتوصيل الفائق.
ويؤكد شالوبان: «من خلال كشف النظام المغناطيسي الخفي في الفجوة الكاذبة، نقترب خطوة من فهم الآليات المرتبطة بالتوصيل الفائق».
