إنجاز علمي جديد.. مباشرة من مياه البحر دون أي مواد إضافية

فرصة لمصر والدول العربية إنتاج الهيدروجين الأخضر دون الحاجة إلى محطات تحلية أو شبكات كهرباء باهظة التكلفة

أعلن فريق بحثي دولي بقيادة جامعة بايرويت الألمانية عن تحقيق تقدّم علمي مهم في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، بعد تطوير طريقة جديدة تُمكّن من شطر مياه البحر مباشرة لإنتاج الهيدروجين دون استخدام أي كواشف إضافية أو محفزات مساعدة.

ونشرت النتائج في دورية Journal of the American Chemical Society، وهي واحدة من أبرز الدوريات العلمية في الكيمياء.
يأتي هذا الإنجاز في وقت تتزايد فيه الحاجة العالمية إلى الهيدروجين الأخضر نظرًا لدوره المحوري في دعم جهود التخلص من الانبعاثات الكربونية.
وبصفته ناقلًا للطاقة خاليًا من التلوث، يمثل الهيدروجين الأخضر خيارًا استراتيجيًا لقطاعات يصعب خفض انبعاثاتها، مثل صناعة الحديد والصلب، النقل البحري، الشاحنات الثقيلة، وتخزين الطاقة على المدى الطويل.
لذا فإن تطوير تقنيات فعالة ومنخفضة التكاليف لإنتاجه أصبح ضرورة ملحّة.

التحليل الكهربائي

ورغم أن التحليل الكهربائي يُعد الطريقة الأكثر شيوعًا لإنتاج الهيدروجين الأخضر، إلا أنه يتطلب كميات ضخمة من الكهرباء، ما يجعل تكلفته مرتفعة، خصوصًا في الدول ذات القدرات المحدودة على إنتاج طاقة متجددة رخيصة.
كما تتطلب معظم طرق التحليل الكهربائي استخدام مياه نقية، ما يفتح بابًا لمشكلة إضافية تتعلق بشُحّ المياه في العديد من مناطق العالم.
هنا تبرز أهمية الاعتماد على مياه البحر، التي تغطي أكثر من 70% من سطح الأرض وتشكل موردًا غير محدود تقريبًا.
إلا أن استخدام مياه البحر مباشرة في التحليل التقليدي أو الضوئي يمثل تحديًا معقدًا، نظرًا إلى احتوائها على تركيزات عالية من أيونات الكلوريد، التي تسبب تآكلًا سريعًا للمواد وتقود إلى تفاعلات جانبية ضارة تقلل من كفاءة عملية إنتاج الهيدروجين.

وتتعاظم صعوبة الأمر حين يتعلق بالتحفيز الضوئي، وهو النهج الذي يعتمد على امتصاص الضوء لإطلاق إلكترونات قادرة على شطر جزيئات الماء دون الحاجة إلى كهرباء خارجية.
وتكمن ميزة هذه الطريقة في قدرتها على استخدام ضوء الشمس مباشرة، ما يجعلها إحدى أكثر تقنيات إنتاج الهيدروجين ديمقراطية واستدامة وتلاؤمًا مع المناطق النائية والمجتمعات الساحلية.

إنتاج الهيدروجين الأخضر- التحليل الكهربائي لمياه البحر

تقسيم مياه البحر مباشرة دون مركب إضافي

وفي هذا السياق، تمكن فريق الدكتور شوبهيك داس، رئيس قسم الكيمياء العضوية الأولى بجامعة بايرويت الفرنسية، من تطوير أول محفز ضوئي يعتمد على النيكل قادر على تقسيم مياه البحر مباشرة تحت ضوء الشمس الطبيعي دون استخدام أي كاشف تضحية أو مركب إضافي لتحفيز التفاعل.
ويعد الاستغناء عن كواشف التضحية تطورًا بالغ الأهمية، إذ إن هذه المواد تُستخدم عادة لضمان استمرار التفاعل لكنها تزيد التكلفة وتُخلّف مخلفات كيميائية ضارة.
ووفقًا لنتائج الفريق، يتمتع المحفز الجديد بقدرة عالية على امتصاص الضوء وتحويله إلى طاقة كيميائية فعالة، ما يرفع معدل إنتاج الهيدروجين إلى مستويات تتجاوز معظم الأنظمة أحادية المكوّن التي تم اختبارها حتى الآن.
كما يُظهر المحفز مقاومة لافتة للتآكل الناتج عن الكلوريد، وهو أحد التحديات الكبرى في هذا المجال، إضافة إلى عدم تأثره بالأملاح والمعادن والمواد العضوية الموجودة طبيعيًا في مياه البحر.

إنتاج الهيدروجين الأخضر

فرص دول شمال إفريقيا الشرق الأوسط

ويفتح هذا التطور الباب أمام تصور جديد تمامًا لكيفية إنتاج الهيدروجين في المستقبل، حيث يمكن لمناطق ساحلية حول العالم، من شمال إفريقيا إلى دول الشرق الأوسط إلى الجزر الآسيوية، أن تعتمد على مياه البحر مباشرة لإنتاج الهيدروجين الأخضر دون الحاجة إلى محطات تحلية باهظة التكلفة أو شبكات كهرباء واسعة النطاق.
ويؤكد الباحثون أن تقنية التحفيز الضوئي القائمة على النيكل لا توفر فقط مسارًا منخفض التكلفة، بل تتوافق كذلك مع أهداف الحياد الكربوني، إذ تجمع بين مصدرَي طاقة مستدامين: ضوء الشمس ومياه البحر، دون أي مدخلات كيميائية إضافية ودون توليد نفايات.

إنتاج الهيدروجين الأخضر

ويرى فريق البحث أن الخطوة التالية تتمثل في دراسة إمكانية توسيع نطاق هذه التقنية وتحسين تصميم المحفز ليصبح أكثر قدرة على العمل في أنظمة صناعية ذات أحجام كبيرة. كما يعمل الفريق على اختبار فعالية المحفز في بيئات مختلفة من مياه البحر، بما في ذلك المناطق ذات الملوحة المرتفعة أو المحتوى العضوي الكبير، بهدف تقييم مدى ملاءمته للاستخدام في ظروف متنوعة.

ويمثل هذا الإنجاز خطوة محورية في مسيرة التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، إذ يقرّب العالم من إمكانية إنتاج الهيدروجين الأخضر بطريقة لامركزية وغير مكلفة ومستدامة بيئيًا، بما يعزز الابتعاد عن الوقود الأحفوري ويُسهم في بناء اقتصاد هيدروجيني أكثر عدلاً وشمولًا.

Exit mobile version