لطالما رأى منتقدون أن تشجيع الأفراد على إعادة التدوير قد يُشتّت الانتباه عن الجهود الأكثر تأثيرًا، مثل الدفع نحو سياسات مناخية فعّالة، معتبرين أنه يخفف الضغط عن الحكومات والشركات لإحداث تغييرات هيكلية.
لكن دراسة جديدة امتدت لأربع سنوات تتبعت آلاف الأشخاص، لم تجد أي دليل على أن السلوكيات البيئية الفردية تُضعف دعم السياسات المناخية الأوسع.
وأُجريت الدراسة بواسطة باحثين في العلوم السلوكية من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، بالتعاون مع جامعة جريفيث.
واعتمد الفريق على بيانات “المسح الوطني للعمل المناخي”، حيث تابعوا نحو 2800 شخص في أستراليا على مدار أربع سنوات.
وكشفت النتائج أن الأفراد الذين يتبنون سلوكيات صديقة للبيئة، مثل إعادة التدوير، واستخدام الأكواب القابلة لإعادة الاستخدام، واستخدام وسائل النقل العام، واتباع أنظمة غذائية أكثر استدامة، أو ركوب الدراجات، لم يكونوا أقل دعمًا للسياسات المناخية.
اختبار فرضية قديمة
تتعارض هذه النتائج مع فرضية شائعة في النقاشات المناخية، والتي ترى أن الترويج للتغييرات الفردية الصغيرة يمنح الحكومات والشركات فرصة لتحويل الانتباه بعيدًا عن إصلاح أنظمة الطاقة وتنظيم الصناعات الملوِّثة.
وأكد الباحث الرئيسي، أميد قاسمي، أن “الإجراءات الفردية المتعلقة بالمناخ لا تعزز ولا تُضعف الانخراط الأوسع في العمل المناخي”.
وأضاف أن الدراسة لم تجد دليلًا على أن الأفراد يقلّ دعمهم للعمل الجماعي أو السياسات المناخية بسبب شعورهم بأنهم قاموا بما يكفي، أو لأنهم يبالغون في تقدير تأثير أفعالهم الفردية.
مساران منفصلان
أظهرت البيانات نمطًا أكثر تعقيدًا، إذ تبين أن الأفراد الأكثر التزامًا بالسلوكيات البيئية يكونون عمومًا أكثر انخراطًا سياسيًا، مثل توقيع العرائض أو المشاركة في التظاهرات.
لكن عند تتبع نفس الأفراد عبر السنوات، لم يؤدِ زيادة السلوكيات البيئية في عام معين إلى زيادة أو تقليل مشاركتهم السياسية في العام التالي.
وأوضح بن نيويل، مدير معهد مخاطر المناخ والاستجابة بجامعة نيو ساوث ويلز، أن النتائج “تنفي الفكرة القائلة بأن إعادة التدوير تُعد مصدر تشتيت، لكنها لا تدعم أيضًا أن التغييرات الفردية تقود تلقائيًا إلى إصلاحات هيكلية”.
مخاوف قائمة بشأن دور الشركات
رغم النتائج الإيجابية، لم يستبعد الباحثون المخاوف المتعلقة باستخدام الحكومات والشركات للسلوكيات الفردية كوسيلة لصرف الانتباه عن مسؤولياتها.
وأشار قاسمي إلى أن “العمل الفردي والعمل المؤسسي ليسا بالضرورة متنافسين”.
ويُفرّق هذا الطرح بين تأثير نفسي محتمل على الأفراد، واستراتيجية محتملة قد تتبعها المؤسسات.
تراجع طفيف في العمل الجماعي
لاحظ الباحثون أيضًا تراجعًا طفيفًا في العمل المناخي الجماعي ودعم السياسات بين عامي 2021 و2024، رغم استقرار السلوكيات الفردية خلال نفس الفترة.
ويرجح الباحثون أن يعود هذا التراجع إلى ضغوط تكاليف المعيشة، التي قد تقلل من قدرة الأفراد على الانخراط في العمل الجماعي أو دعم سياسات قد تكون مكلفة اقتصاديًا.
دلالات للشركات وصناع القرار
تشير النتائج إلى أن تشجيع السلوكيات البيئية الفردية لا يضر بدعم السياسات المناخية، ما يُعد مؤشرًا إيجابيًا للشركات التي تستثمر في برامج الاستدامة.
ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه المبادرات بديلًا عن الإصلاحات المؤسسية العميقة، إذ لا توجد أدلة على أنها تعزز دعم التغيير الهيكلي بشكل مباشر.
وتؤكد الدراسة إمكانية التعايش بين الجهود الفردية والمؤسسية دون أن يقوض أحدهما الآخر.
