تكشف دراسة حديثة منشورة في دورية Geophysical Research Letters عن ظاهرة كهربائية دقيقة كانت تمر دون رصد لسنوات: أوراق الأشجار تطلق ومضات كهربائية خافتة أثناء العواصف الرعدية، في عملية تُعرف باسم «تفريغ كورونا».
قاد البحث فريق من Penn State University، حيث استخدم العلماء تلسكوبًا يعمل بالأشعة فوق البنفسجية مثبتًا على مركبة ميدانية، لرصد ومضات غير مرئية للعين البشرية تتشكل عند أطراف الأوراق الحادة خلال مرور السحب المشحونة.
كيف تتولد الشرارة؟
داخل السحب الرعدية، تنفصل الشحنات الموجبة والسالبة بفعل تيارات الحمل القوية، نتيجة لذلك، تتراكم شحنة معاكسة على سطح الأرض، تنتقل عبر جذور الأشجار وجذوعها إلى أعلى النقاط، أي أطراف الأوراق.
عندما يتركز الشحن الكهربائي عند حافة حادة، يصبح الهواء المحيط موصلًا جزئيًا للكهرباء، فتتسرب شحنة صغيرة على شكل توهج خافت يُعرف بتفريغ «كورونا».
هذا التفريغ أضعف بكثير من الصاعقة، ولا يحطم الخشب أو يشعل النيران، لكنه يمثل تسربًا فعليًا للتيار إلى الغلاف الجوي.
خلال عاصفة صيفية واحدة، وثّق الفريق 41 ومضة منفصلة خلال 90 دقيقة فقط على ثلاثة فروع من شجرة «السويت جم»، وعلى مدار فترة رصد امتدت لنحو ساعة ونصف، جرى تسجيل 859 إشارة فوق بنفسجية لتفريغات كورونا.
قياس تيار لا يُرى
نظرًا لأن الوميض المرئي ضعيف للغاية تحت السحب الداكنة، اعتمد الباحثون على نطاق الأشعة فوق البنفسجية.
وبعد معايرة مخبرية، جرى تحويل شدة الإشعاع فوق البنفسجي إلى قيمة تيار كهربائي، قُدّر بنحو ميكروأمبير (جزء من مليون من الأمبير) يتسرب من فرع واحد.
قد تبدو هذه القيمة ضئيلة، لكن الأهمية تكمن في تركز الطاقة عند أطراف الأوراق، ففي تجارب مخبرية، تسببت تفريغات مماثلة في إتلاف طبقة «الكيوتكل» الشمعية التي تحمي الورقة من فقدان الماء، ما قد يؤثر في قدرتها على التمثيل الضوئي مع تكرار العواصف.
ولا يزال السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة الأنواع المختلفة على التعافي، خاصة في مناطق تشهد عواصف متكررة بفعل تغير المناخ.
تأثيرات في كيمياء الهواء
لا يقتصر الأثر على النبات فقط، إذ يمكن لتفريغ كورونا أن يحفّز تفاعلات كيميائية في الهواء المحيط بقمم الأشجار.
أظهرت أبحاث سابقة أن هذه التفريغات تعزز تكوين جذور الهيدروكسيل (OH)، وهي جزيئات قصيرة العمر لكنها شديدة الفعالية في تفكيك الملوثات.
عند ازدياد هذه الجذور، تتسارع أكسدة الغازات الطبيعية المنبعثة من الأوراق، ما قد يرفع تركيزات الأوزون والجسيمات الدقيقة مؤقتًا في الطبقة القريبة من قمم الغابة.
ورغم أن الأمطار والرياح تبددان التأثير بسرعة، فإن تكرار الومضات خلال العاصفة يمثل نبضات كيميائية صغيرة متعاقبة في الغلاف الجوي المحلي.
تحديات الرصد واتساع الظاهرة
تزيد حركة الأوراق بفعل الرياح من تعقيد القياس؛ إذ يتغير تركيز الشحنة تبعًا لزاوية الورقة بالنسبة للسحابة.
كما يمكن لسطح مبلل أن يعيد توجيه التيار إلى أطراف أخرى، ما يجعل الوميض «يقفز» بين الحواف.
وقد رُصدت إشارات مشابهة في أنواع متعددة، من الأشجار عريضة الأوراق إلى الصنوبريات ذات الإبر الحادة، ما يشير إلى أن الظاهرة ليست حكرًا على نوع بعينه.
أفق بحثي جديد
يفتح هذا الاكتشاف بابًا لدراسة تفاعل العواصف مع النظم البيئية بطريقة أعمق.
فالتكامل بين تسجيلات الأشعة فوق البنفسجية، وقياسات جودة الهواء، ومسوحات صحة الأوراق بعد العواصف، قد يتيح تقييمًا أدق لتأثير العواصف الرعدية على الغابات.
تغيّر النتائج الطريقة التي يُنظر بها إلى العلاقة بين الطقس والنبات، مؤكدة أن التأثير لا يقتصر على الصواعق المباشرة، بل يشمل أيضًا شبكة دقيقة من التيارات الخفية التي تربط السماء بقمم الأشجار، وتعيد تشكيل صحة النبات وكيمياء الهواء في آن واحد.
