أقمشة ذكية تغيّر شكلها وتشغّل الإضاءة.. ملابس المستقبل.. تحسب خطواتك وتضيء تلقائيًا

علماء يطورون نسيجًا ذكيًا يغيّر شكله ويؤدي وظائف إلكترونية

في تطور علمي يفتح آفاقًا جديدة لدمج التكنولوجيا في الحياة اليومية، نجح باحثون في تطوير أقمشة “ذكية” قادرة على تغيير شكلها تلقائيًا، وتشغيل الإضاءة، بل وحتى عدّ الخطوات أثناء الحركة، في خطوة تمهد لجيل جديد من الملابس التفاعلية.

البداية كانت من ملاحظة بسيطة: عند قص حافة قميص قطني، تنثني الأطراف تلقائيًا. هذا السلوك، الذي يبدو عاديًا، يخفي وراءه ظاهرة فيزيائية معقدة تتعلق بطريقة تصنيع الأقمشة. أثناء الحياكة، تُشد الخيوط بقوة داخل الماكينة، وعندما تتحرر، تحاول العودة إلى وضعها الطبيعي، لكن تشابك الغرز يمنعها من ذلك بالكامل، فتظل محتفظة بإجهاد داخلي يؤدي إلى الانحناء.

انطلقت الباحثة كوساليا ماهاديفان من هذه الفكرة، ونجحت، بالتعاون مع فريق علمي في جامعة هارفارد، في توظيف هذا “الإجهاد المخزن” داخل الأقمشة لصناعة مواد قادرة على التحول بين أشكال مختلفة، والاستقرار في كل شكل دون الحاجة إلى طاقة مستمرة. هذه الخاصية تُعرف علميًا باسم “تعدد الاستقرار”.

ابتكار ثوري: أقمشة تستجيب للحركة وتعمل كمفاتيح كهربائية
ابتكار ثوري: أقمشة تستجيب للحركة وتعمل كمفاتيح كهربائية

اعتمد الفريق على آلات حياكة صناعية تحتوي على صفّين من الإبر، ما يسمح بتغيير اتجاه الغرز بين الأمام والخلف، وبالتالي التحكم في طريقة توزيع القوى داخل القماش. ومن خلال تصميم أنماط مختلفة من الغرز، تمكن الباحثون من إنتاج أقمشة تتصرف بطرق متنوعة: بعضها يعود إلى شكله الأصلي بعد الشد، وبعضها “ينقلب” فجأة إلى شكل جديد، فيما يحتفظ بعضها الآخر بالشكل الجديد بشكل دائم.

ولم تتوقف التجارب عند نوع واحد من الخيوط، إذ أثبتت النتائج أن الظاهرة لا تعتمد فقط على مرونة الخامة، بل بشكل أكبر على نمط الحياكة نفسه.

فقد نجحت التجارب باستخدام خيوط النايلون والليكرا، وكذلك الصوف والرايون، مع نتائج متشابهة في القدرة على تغيير الشكل.

“أقمشة متحوّلة” تفتح آفاقًا للملابس الذكية القابلة للتفاعل

الأكثر إثارة أن الفريق تمكن من دمج خيوط مطلية بالفضة داخل النسيج، ما جعل القماش موصلًا للكهرباء.

وهنا تحوّل القماش من مجرد مادة ميكانيكية إلى عنصر إلكتروني يمكنه العمل كمفتاح كهربائي. فعند تغيّر شكل القماش، تتلامس أجزاء موصلة فيمر التيار، وعند عودته تنفصل هذه الأجزاء فينقطع التيار.

هذا الابتكار أتاح تطبيقات عملية لافتة. فعند تثبيت القماش حول الركبة، يمكنه تسجيل عدد مرات الانحناء والتمدد، وبالتالي عدّ الخطوات بدقة.

وعند وضعه على المرفق، يمكن استخدامه لتشغيل إضاءة مدمجة في الملابس عند فرد الذراع، وهو ما قد يكون مفيدًا لراكبي الدراجات ليلًا.

كما طوّر الفريق نموذجًا لمصباح خفيف الوزن يعمل عبر تغيير شكل القماش، دون الحاجة إلى مفاتيح تقليدية.

ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك تحديات علمية، أبرزها فهم العلاقة الدقيقة بين أنماط الحياكة وسلوك القماش، إذ يعتمد أداء هذه المواد بشكل كبير على عوامل مثل الاحتكاك الداخلي وطريقة الشد.

ملابس ذكية

ويأمل الباحثون في تطوير نماذج رياضية قادرة على التنبؤ بسلوك القماش مسبقًا، بدلًا من الاعتماد على التجربة والخطأ.

ما يجعل هذا الاكتشاف أكثر أهمية هو أنه يفتح الباب أمام آلاف التصميمات المحتملة التي لم تُجرب بعد، حيث يشير الباحثون إلى وجود أكثر من 65 ألف نمط حياكة مختلف يمكن استكشافه.

ومع تطور هذا المجال، قد نشهد مستقبلًا ملابس قادرة على التفاعل مع الجسم والبيئة، تجمع بين الراحة والوظيفة والتكنولوجيا في آن واحد.

Exit mobile version