في أعماق البحر الأحمر المركزي، اكتشف العلماء عالمًا خفيًا حيث يعتمد الحياة على الحديد بدلًا من الكبريت أو الميثان.
أظهرت دراسة جديدة تحليل 314 جينومًا ميكروبيًا من تلال غنية بالحديد في منطقة هاتيبّا مونز، كاشفة عن نظام بيئي يعتمد على الكيمياء المعدنية بدل الحرارة أو الكبريت.
تقع هذه الفوهات على أعماق تتراوح بين 2,550 و4,760 قدمًا تحت سطح البحر، وتنتشر عبر قمة بركانية.
وقد تم التأكد من نشاطها لأول مرة عام 2023، وتشكل تلالًا شاهقة من أوكسيد الهيدروكسيد الحديدي عبر تدفق منخفض الحرارة، لتصبح واحدة من أكبر الأنظمة المعتمدة على الحديد في العالم.
قاد البحث شريفة الطالحي من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية في السعودية، مع التركيز على وظائف الميكروبات وليس مجرد تصنيفها.
الدراسة نشرت في مجلة Environmental Microbiome، مع التأكيد على أن النتائج تعتمد على الإمكانات الجينومية، ويُوصى بإجراء تحليلات مستقبلية لمستوى النشاط الفعلي للميكروبات.
يتميز ماء البحر الأحمر العميق بدرجة حرارة وملوحة مرتفعتين على مدار السنة، ما يشكل بيئة خاصة لهذه الميكروبات، إذ تحافظ على حرارة حوالي 21.5°م وملوحة 40.5، الأمر الذي يميزها عن المجتمعات في المحيطين الأطلسي والهادئ.
تحريك الإلكترونات
تعمل الميكروبات على تحريك الإلكترونات بين أشكال الحديد المذابة والصلبة، مؤثرة في تكوين المعادن وإطلاق أو احتجاز العناصر الغذائية والمعادن.
استخدم الفريق تحليل الجينومات المجمعة من البيئات الطبيعية (MAGs) للكشف عن الإمكانات الأيضية للميكروبات، بما في ذلك أكسدة الحديد وتثبيت الكربون، حتى لو لم تُزرع في المختبر.
تم التعرف على 314 جينومًا تشمل البكتيريا والعتائق، مع وجود مجموعات لا تتوافر في المختبرات، ما يشير إلى وفرة الاكتشافات الجديدة في هذا النظام البيئي.
انتشار مسارات تثبيت الكربون القديمة
تُظهر الدراسة، أن أكسدة واختزال الحديد متوزعة عبر مجموعات مختلفة من الميكروبات، ما يضمن استمرارية النظام حتى عند اختفاء بعض الأنواع.
كما لوحظت مسارات النيتروجين بشكل جزئي، ما يعكس التعاون بين الميكروبات حيث تصبح نواتج واحدة مدخلات لأخرى.
يُعتبر حديد هاتيبّا مصدر الطاقة الأساسي للميكروبات، على عكس الفوهات الكلاسيكية الغنية بالكبريت.
كما لوحظ انتشار مسارات تثبيت الكربون القديمة مثل مسار وود-لونجهالد، الذي يتكيف مع الظروف منخفضة الطاقة ويتناغم مع تفاعلات الحديد.
تقوم الميكروبات بتشكيل تلال حديدية عملاقة من خلال أكسدة الحديد المذاب إلى أوكسيدات صلبة، ما يؤدي إلى تكوين بنى شاهقة على قاع البحر، مع وجود تدرجات أكسجين وميكروبات مختلفة من السطح إلى العمق.
يؤثر هذا النظام على دورات العناصر في المحيط، بما في ذلك نقل الكربون والعناصر الغذائية، كما يحمل إمكانيات لتطبيقات صناعية مثل استعادة المعادن والطاقة الحيوية، نظرًا لقدرة الإنزيمات على العمل في المياه المالحة والدافئة.
