تكشف دراسة جديدة، أن بعض أشجار الجبال تتحرك تدريجيًا نحو المرتفعات مع ارتفاع درجات الحرارة، بينما تنتشر أنواع أخرى في الاتجاه المعاكس، نحو المناطق الأكثر دفئًا وجفافًا عند السفوح.
وتتغير الغابات الجبلية بصورة واضحة مع الارتفاع؛ إذ تحل الأشجار عريضة الأوراق محلها أشجار التنوب والصنوبر، ثم تصل الغابة قرب القمم إلى خط الأشجار، حيث تتوقف الأشجار عن النمو.
ومن المفترض أن تتحرك هذه المناطق النباتية إلى ارتفاعات أكبر مع ارتفاع حرارة المناخ، وهو ما يحدث بالفعل لدى العديد من الأنواع.
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن ما يقرب من ثلث أنواع الأشجار تتحرك في الاتجاه المعاكس، نحو الأراضي الأكثر دفئًا وجفافًا.
ويرجح الباحثون أن السر قد يكمن في خصائص الخشب وقدرته على نقل المياه ومقاومة الجفاف.
وأظهرت النتائج أن الأنواع التي تستطيع أخشابها نقل المياه بسرعة تميل إلى التحرك صعودًا على سفوح الجبال، في حين تنتشر الأنواع الأكثر قدرة على تحمل الجفاف نحو المناطق المنخفضة.
وقاد الدراسة شيانليانج تشانج من جامعة خبي الزراعية، وهونجيان ليو من جامعة بكين، بمشاركة باحثين آخرين، من بينهم تيم راديماخر، مدير مركز بروكتور لأبحاث القيقب في جامعة فيرمونت.
وقال راديماخر إن فهم كيفية موازنة الأشجار بين النمو ومقاومة الجفاف يساعد على تفسير استجابتها لتغير المناخ، كما يوفر أساسًا للتنبؤ بشكل الغابات في المستقبل.
أشجار تصعد وأخرى تنتشر نحو السفوح
حدثت معظم تحركات الأشجار التي رصدتها الدراسة على ارتفاعات تتراوح بين نحو 200 و3000 متر.
وكانت أشجار القيقب الصندوقي، والسرو الإيطالي، والحور الأبيض من أسرع الأنواع صعودًا، إذ زادت نطاقاتها الجغرافية بأكثر من 5 أمتار سنويًا في الارتفاع.
وفي المقابل، تحرك البلوط القرمزي والسنط الفضي في الاتجاه المعاكس، إذ امتدت نطاقاتهما إلى أسفل الجبال بأكثر من 3 أمتار سنويًا.
واللافت أن هذه الأنواع عاشت خلال القرن نفسه الذي شهد ارتفاعًا في درجات الحرارة، لكنها اتخذت اتجاهات مختلفة تمامًا.
واعتمد الباحثون في تحديد تحولات النطاقات الجغرافية على قاعدة بيانات عالمية ترصد تحرك الأنواع، وشملت 102 نوع من أشجار الجبال.
ولفهم علاقة هذه التحركات بالنمو، استعان الفريق بحلقات نمو الأشجار، التي تسجل الظروف البيئية التي مرت بها الأشجار؛ إذ تشير الحلقة العريضة عادةً إلى عام جيد للنمو، بينما تشير الحلقة الضيقة إلى ظروف أكثر صعوبة.
ولكي يدخل النوع ضمن التحليل، كان يجب أن تتوافر بيانات من 20 موقعًا على الأقل، وأن تمتد سجلات حلقات الأشجار من عام 1901 إلى 1990، وهو ما قلص عدد الأنواع المتاحة للتحليل إلى 45 نوعًا.
وقرأ الباحثون حلقات نمو 121743 شجرة في 3057 موقعًا بنصفي الكرة الأرضية، بالاعتماد على قاعدة البيانات الدولية لحلقات الأشجار وأرشيف عام آخر للبيانات.
وكانت شجرة التنوب الدوجلاسي الأكثر تمثيلًا في البيانات، إذ شملت السجلات 392 موقعًا.
شبكة المياه داخل الخشب تحدد اتجاه حركة الأشجار
تنتقل المياه من جذور الأشجار إلى أوراقها عبر أنابيب دقيقة داخل الخشب، وتتحرك المياه إلى أعلى مع فقدان الأوراق للمياه إلى الهواء.
وتستطيع الأنابيب الأوسع نقل المياه بسرعة أكبر، وهو ما يدعم النمو السريع عندما تكون التربة رطبة.
لكن الخشب المصمم لمواصلة العمل بكفاءة عندما تجف التربة ينقل المياه عادةً بمعدل أقل، ما يضع الأشجار أمام مفاضلة بين كفاءة نقل المياه ومقاومة الجفاف.
وقاس الباحثون قدرة الأشجار على تحمل الجفاف باستخدام مؤشرين رئيسيين؛ الأول هو مستوى الضغط الذي يفقد عنده خشب النوع نصف قدرته على نقل المياه، والثاني هو المستوى الذي تبدأ عنده الأوراق في فقدان تماسكها والذبول.
وأظهرت النتائج أن الأنواع الأكثر قدرة على تحمل الجفاف وفق المؤشرين كانت هي التي تتحرك نحو المناطق المنخفضة.
وفي المقابل، كانت الأنواع الأسرع صعودًا هي التي تتميز بقدرة خشبها على نقل أكبر كمية من المياه لكل وحدة من مساحة الأوراق.
وأوضح الباحثون أن هذه الخاصية وحدها فسرت نحو ربع الاختلافات بين الأنواع في سرعة تحرك نطاقاتها الجغرافية، وهي أعلى نسبة تفسيرية بين جميع الصفات التي شملها التحليل.
واستند الفريق في بيانات خصائص النباتات إلى قاعدة بيانات TRY لصفات النباتات، التي تجمع قياسات نباتية من باحثين حول العالم.
سرعة الاحترار لم تفسر سرعة تحرك الأشجار
كان من المتوقع أن تكون الأشجار الموجودة في المناطق الأسرع ارتفاعًا في درجات الحرارة هي الأسرع تحركًا نحو مناطق جديدة، لكن نتائج الدراسة لم تؤكد ذلك.
فقد حلل الباحثون معدل ارتفاع درجات الحرارة في مواقع أخذ العينات خلال الفترة من 1951 إلى 1990، ووجدوا أن معظم المواقع شهدت ارتفاعًا في الحرارة، لكن بمعدلات مختلفة من منطقة إلى أخرى.
وعلى الرغم من ذلك، لم تتحرك الأنواع الموجودة في المناطق التي شهدت أكبر قدر من الاحترار بسرعة أكبر من الأنواع الموجودة في المناطق الأخرى.
وبالتالي، لم يكن مقدار الاحترار وحده كافيًا لتفسير سرعة تغير النطاق الجغرافي للأشجار.
كما درس الباحثون ما إذا كانت الأشجار الموجودة على ارتفاعات مختلفة تستجيب للجفاف بطرق مختلفة.
وخلال الفترة بين عامي 1951 و1990، أصبح نمو الأشجار أكثر حساسية للجفاف مع زيادة الارتفاع لدى نحو 9% من الأنواع، بينما ظهر النمط العكسي لدى 9% أخرى.
لكن هذه العلاقات لم تكن مستقرة دائمًا بمرور الوقت.
وعند تتبع الباحثين لهذه الأنماط خلال فترات متداخلة مدتها 40 عامًا، وجدوا أن ما يقرب من ثلث الأنواع تغيرت لديها العلاقة بين حساسية الجفاف والارتفاع.
وفي نحو 22% من الأنواع، لم يظهر أي ارتباط ثابت بين حساسية الجفاف والارتفاع.
الأشجار الصاعدة تواجه مشكلة نفاد المساحة
تمثل حركة الأشجار نحو قمم الجبال تحديًا إضافيًا، لأن الجبال تضيق كلما ارتفعنا.
فكل زيادة قدرها 100 متر في الارتفاع تغطي مساحة أقل من المساحة الموجودة على ارتفاعات أدنى، كما أن أقل من 5% من مساحة جبال العالم تقع على ارتفاع يزيد على 2000 متر.
وهذا يعني أن الأنواع التي تتحرك إلى أعلى تواجه مساحة متاحة للتوسع تتقلص تدريجيًا، في الوقت الذي قد تضطر فيه أنواع أكثر إلى مشاركة المناطق المرتفعة نفسها.
ولطالما اعتُبرت المناطق المرتفعة ملاذًا مناخيًا محتملًا للأنواع المهددة بالاحترار، باعتبارها أكثر برودة ويمكن للأشجار والنباتات الحساسة للحرارة أن تتراجع إليها.
لكن الباحثين يرون أن هذه الملاذات المناخية ليست حلًا شاملًا لجميع الأنواع.
وقال هونغيان ليو إن النتائج تشير إلى أن العديد من الأنواع الحساسة للجفاف قد تجد نفسها في نهاية المطاف محصورة داخل مساحات أصغر فأصغر عند الارتفاعات العالية، في حين تتمكن الأنواع المقاومة للجفاف من التوسع نحو الارتفاعات المنخفضة.
وفي المقابل، فإن الانتقال إلى المناطق المنخفضة ليس آمنًا بالضرورة، إذ يمكن للأشجار التي تتوسع نحو السفوح أن تواجه أمراضًا ومنافسين جددًا، حتى لو كانت المساحة المتاحة للنمو أكبر.
تغير المناخ ليس العامل الوحيد
لا يتعلق الارتفاع بدرجة الحرارة وهطول الأمطار فقط، إذ تتغير خصائص التربة وجفاف الهواء والجيران النباتيون للأشجار على امتداد المنحدرات.
ولم يتمكن الباحثون من فصل جميع هذه العوامل عن خصائص الأشجار التي قاموا بقياسها.
كما لعب النشاط البشري دورًا في تشكيل الغابات الجبلية؛ إذ يمكن للمنحدرات التي تعرضت لإزالة الغابات أو التجزئة أن تمنع بعض الأنواع من التحرك إلى أعلى، بغض النظر عن قدرة أخشابها على نقل المياه.
واعتمدت الدراسة أيضًا على مجموعة واحدة من قيم الصفات لكل نوع، وهي متوسطات تمثل الأشجار المنتشرة عبر نطاق جغرافي واسع، وهو ما قد يخفي اختلافات مهمة بين الأشجار داخل النوع نفسه.
إضافة إلى ذلك، تتوقف السجلات الأساسية للتحليل تقريبًا عند عام 1990، بسبب انخفاض كثافة سجلات حلقات الأشجار بعد ذلك، كما أن معظم مسوحات النطاقات الجغرافية التي اعتمد عليها الباحثون أُجريت خلال الفترة بين 1901 و1990.
وهذا يعني أن العقود الأخيرة من تغير المناخ لم تكن ممثلة بصورة كافية في التحليل.
أنواع الأشجار الأقل استجابة للجفاف تفتح بابًا جديدًا للبحث
تبقى الأنواع التي لم تظهر لديها علاقة واضحة بين حساسية الجفاف والارتفاع من أهم الأسئلة المفتوحة أمام الباحثين.
فقد تكون بعض الأشجار قادرة على تعديل آليات نقل المياه داخل أخشابها استجابة للظروف البيئية، أو ربما تحظى بحماية داخل جيوب مناخية أكثر اعتدالًا، وهي مناطق صغيرة قد لا تستطيع نماذج المناخ التي تستخدم شبكات بدقة نصف درجة رصدها.
ولا تسمح البيانات الحالية بالتمييز بين هذين الاحتمالين.
ويرى الباحثون أن حسم هذه المسألة يتطلب جمع حلقات نمو جديدة من الأشجار الموجودة في الجبال نفسها، وإجراء مسوحات حديثة لنطاقات الأنواع، إلى جانب قياس خصائص الأشجار في المناطق المرتفعة والمنخفضة على المنحدر نفسه.
ونُشرت الدراسة الكاملة في مجلة Nature Climate Change، تحت عنوان يبحث في العلاقة بين خصائص الأشجار وحركة نطاقاتها على ارتفاعات الجبال في ظل تغير المناخ.
