في ظل تصاعد أزمة المناخ عالميًا، تُعد أسواق الكربون واحدة من الأدوات الاقتصادية الرئيسية التي تعتمد عليها الدول والشركات لتقليل الانبعاثات عبر “تعويض الكربون”.
لكن دراسة وتحليل علمي جديد صادر عن باحثين من University of East Anglia يحذر من أن تغيير بعض القواعد الجوهرية في هذه الأسواق قد يضعف فعاليتها بشكل كبير.
وقد نُشرت هذه التحذيرات في مجلة Nature Climate Change، حيث ركز الباحثون على مبدأ أساسي يُعرف باسم “الإضافية” أو Additionality.
ما هو مبدأ “الإضافية” في أسواق الكربون؟
مبدأ الإضافية يعني ببساطة أن أي رصيد كربوني يتم بيعه أو احتسابه يجب أن يأتي من نشاط لم يكن ليحدث في الظروف الطبيعية أو “السيناريو المعتاد”.
بمعنى آخر:
• لا يمكن احتساب الانبعاثات المخفضة كتعويض إذا كانت ستُخفض أصلًا بدون مشروع الكربون
• الهدف هو ضمان أن كل “رصيد كربوني” يمثل خفضًا حقيقيًا إضافيًا في الانبعاثات
هذا المبدأ يُعتبر حجر الأساس لضمان مصداقية أسواق الكربون.
لماذا أصبح المبدأ محل جدل؟
ظهر في الآونة الأخيرة جدل علمي حول كيفية تقييم دور الشعوب الأصلية في حماية الغابات والأنظمة البيئية، فالكثير من أراضي السكان الأصليين تُعد من أكثر المناطق حفاظًا على الكربون المخزن في الطبيعة، حيث تمت إدارة هذه النظم البيئية عبر قرون أو آلاف السنين بشكل مستدام.
لكن المشكلة تكمن في أن:
- هذه الحماية “المستمرة تاريخيًا” لا تُحتسب دائمًا ضمن أسواق الكربون
- لأنها لم تُنشأ نتيجة “مشروع جديد” يمكن قياسه كإضافة
وبالتالي، هناك دعوات لإعادة تعريف مفهوم الإضافية بحيث يتم الاعتراف بهذه الجهود، لكن العلماء يحذرون من أن هذا التغيير قد يحمل مخاطر كبيرة.
التحذير العلمي: خطر زيادة الانبعاثات بدل خفضها
وفقًا للدكتور Phil Williamson من جامعة إيست أنجليا، فإن الهدف الأساسي لأسواق الكربون هو تقليل الانبعاثات بشكل حقيقي وسريع، ويؤكد أن منح أرصدة كربونية لمشاريع كانت قائمة بالفعل أو كانت ستستمر دون تدخل قد يؤدي إلى:
- عدم خفض حقيقي في الانبعاثات
- زيادة “صورية” في التعويضات الكربونية
- إضعاف مصداقية السوق بالكامل
أسواق الكربون ليست الحل لكل مشكلة
يشير الباحثون إلى نقطة مهمة: رغم أهمية الاعتراف بدور الشعوب الأصلية، فإن أسواق الكربون ليست الأداة المناسبة لمعالجة الظلم التاريخي.
فهدف هذه الأسواق هو: خفض صافي انبعاثات الغازات الدفيئة، بأعلى كفاءة ممكنة، وليس إعادة توزيع المنافع الاجتماعية أو الاقتصادية بشكل مباشر.
بدائل لدعم الشعوب الأصلية
يقترح العلماء بدائل أكثر أمانًا من تعديل أسواق الكربون، مثل:
- التمويل الحكومي المباشر
- برامج الدعم البيئي الوطنية
- التمويل الخيري
- السندات الخضراء والزرقاء
- أدوات التأمين البيئي
هذه الأدوات يمكن أن تدعم المجتمعات المحلية دون التأثير على نزاهة أسواق الكربون.
خطر خاص على النظم البيئية الساحلية
يشير التحليل أيضًا إلى أن بعض الأنظمة البيئية مثل:
- الغابات الساحلية (المانجروف)
- المستنقعات المالحة
- الأعشاب البحرية
تمثل تحديًا خاصًا في حساب الكربون، لأن تحديد “الإضافية” فيها صعب حتى في مشاريع الاستعادة البيئية.
وأي خطأ في هذا التقييم قد يؤدي إلى: منح أرصدة كربونية غير دقيقة، وبالتالي زيادة الانبعاثات الفعلية عالميًا.
العدالة المناخية مقابل الدقة العلمية
يشدد الباحثون على أن هناك توازنًا حساسًا يجب الحفاظ عليه بين: العدالة الاجتماعية ودعم الشعوب الأصلية، والدقة العلمية في قياس خفض الانبعاثات، لكنهم يحذرون من أن التضحية بالأسس العلمية لصالح التوسع غير المدروس في الأسواق قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المناخ وعلى المجتمعات نفسها.
النتيجة الأساسية للدراسة
الرسالة العلمية المركزية واضحة، إذا تم إضعاف قواعد أسواق الكربون الأساسية، وخاصة مبدأ “الإضافية”، فإن ذلك قد يؤدي إلى زيادة الانبعاثات الصافية بدل خفضها ، تدهور النظم البيئية، وتفاقم عدم المساواة الاجتماعية، خصوصًا تجاه الشعوب الأصلية.
خلاصة
تؤكد الدراسة أن مواجهة أزمة المناخ لا تعتمد فقط على توسيع أدوات السوق، بل على الحفاظ على دقتها العلمية.
فأسواق الكربون يمكن أن تكون أداة قوية، لكن فقط إذا بقيت قائمة على قواعد صارمة تضمن أن كل رصيد كربوني يمثل خفضًا حقيقيًا وفعليًا في الانبعاثات.
وفي النهاية، يحذر العلماء من أن: إصلاح نوايا العدالة المناخية لا يجب أن يأتي على حساب فعالية مكافحة تغير المناخ نفسها.
