أزمة ثلاثية.. كيف تخنق الديون والتنمية والمناخ الدول الفقيرة؟

"فوضى المناخ" وتكاليفها.. الدول الفقيرة تدفع الثمن!

تواجه الدول الفقيرة معضلة مزدوجة: أزمة ديون خانقة وأخرى مناخية تهدد حاضرها ومستقبلها، وكلتاهما ليستا من صنعها. في هذا السياق، وصفت ميا موتلي، رئيسة وزراء بربادوس، هذا الواقع بـ”مشكلة الأجسام الثلاثة” المستعصية على الحل، حيث تصطدم الحكومات بين ضغط تسديد الديون، وضرورة التكيّف مع المناخ المتقلب، والحاجة إلى تلبية احتياجات مواطنيها الأساسية.

الدول الفقيرة اليوم مُطالبة بدفع فوائد ديون فاقت قدراتها، بينما ينهش التغير المناخي محاصيلها وبناها التحتية. ورغم أن هذه البلدان لم تسهم سوى بنسبة ضئيلة من الانبعاثات العالمية، فإنها تجد نفسها على الخطوط الأمامية للدمار المناخي. في الوقت نفسه، تفرض المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، قواعد وإجراءات معقدة تحول دون وصول هذه الدول إلى التمويل المناخي الموعود.

علاقة الديون والفجوة الرقمية

يُظهر تقرير حديث أن ما يُنفق على سداد الديون في العديد من الدول الفقيرة يتجاوز ما يُخصص للتعليم أو الصحة أو التكيف مع المناخ.

ويتفاقم الأمر حين يُربط أي تمويل جديد بشروط تقشفية تُجهز على ما تبقى من قدرة هذه الدول على حماية مواطنيها وبيئتها.

وفي محاولة للخروج من هذا المأزق، طرحت ميا موتلي “مبادرة بريدج تاون” لإصلاح النظام المالي العالمي. تهدف المبادرة إلى تسهيل وصول الدول النامية إلى تمويل ميسّر لمواجهة الكوارث المناخية، وإعادة هيكلة الديون بطريقة أكثر عدالة، وتفعيل أدوات مثل “حقوق السحب الخاصة” لمواجهة الأزمات.

ومع أن المبادرة لاقت دعمًا نظريًا في مؤتمرات المناخ الأخيرة، فإن تنفيذها يظل بطيئًا، بينما تتسارع الكوارث المناخية. وما زال صندوق “الخسائر والأضرار”، الذي تم الإعلان عنه في مؤتمر COP27، يعاني من نقص التمويل وعدم وضوح آلية عمله.

في المقابل، تتسابق الدول الغنية للاستثمار في موارد الجنوب، مثل النيكل والليثيوم اللازمين للانتقال إلى الطاقة النظيفة، لكنها تفعل ذلك ضمن قواعد تخدم مصالحها الاقتصادية دون أن تضع في الحسبان آثار ذلك على المجتمعات المحلية أو البيئة.

أزمة الديون في الدول الفقيرة وأزمة تغير المناخ

تغرق جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، حرفيًا نتيجة لارتفاع منسوب المياه. وبحلول 2050، قد تُصبح غير صالحة للسكن. في خطوة جريئة، قررت الحكومة بناء عاصمة جديدة على جزيرة بورنيو، لتكون أكثر تكيّفًا مع المستقبل المناخي. لكنها في الوقت نفسه، ترحّب بالشركات العالمية لاستغلال مناجم النيكل في الجزيرة، ما يثير تساؤلات حول التوازن بين التنمية البيئية والاقتصادية.

يبدو أن النظام العالمي الحالي لا يزال يُكرّس أزمة قديمة بثوب جديد. فالدول الفقيرة تُستخدم مواردها لدعم تحول الطاقة في الشمال، لكنها لا تنال سوى الفتات لمواجهة الكوارث التي ساهم الآخرون في صناعتها. المطلوب اليوم ليس فقط تمويلًا أكبر، بل إصلاحًا جذريًا يُعيد تعريف العدالة المناخية ويمنح هذه الدول حق تقرير مصيرها البيئي والاقتصادي.

Exit mobile version