أدوات حجرية من هليوبوليس تكشف كيف مهد مزارعو مصر القديمة لظهور الدولة الفرعونية
كشفت دراسة أثرية حديثة أن سكان منطقة هليوبوليس القديمة، الواقعة حاليًا تحت أحياء المطرية شمال شرقي القاهرة، مارسوا أنشطة حرفية متخصصة وتقاسموا العمل داخل مجتمعاتهم الزراعية قبل ظهور الدولة المصرية وتوحيد وادي النيل تحت حكم الفراعنة، وذلك قبل نحو 5 آلاف عام.
وأعادت الدراسة فحص قرابة 3 آلاف أداة حجرية من الصوان، ظلت محفوظة داخل 40 صندوقًا خشبيًا في المتحف المصري بمدينة تورينو الإيطالية لأكثر من قرن، بعدما عُثر عليها خلال حفريات أثرية أجريت في هليوبوليس عامي 1905 و1906.
وتقدم هذه الأدوات، التي كادت تُنسى داخل مخازن المتحف، أدلة جديدة على تطور تقسيم العمل والتخصص الحرفي في القرى المصرية قبل قيام الدولة، كما تكشف أن بعض السكان كانوا يتفرغون لصناعة أدوات الصوان وتوفيرها للآخرين، بينما ركز آخرون على أنشطتهم الزراعية.
وتُعد هليوبوليس، أو مدينة أون في مصر القديمة، من أبرز المراكز الدينية والفكرية في التاريخ المصري، إذ ارتبطت بعبادة إله الشمس رع، واعتقد المصريون القدماء أن بداية الخلق ارتبطت بهذا المكان، عندما ظهر الإله الخالق أتوم من مياه الفوضى.
لكن المنطقة، قبل أن تصبح مركزًا دينيًا بارزًا، كانت قرية زراعية ازدهرت قبل آلاف السنين من تأسيس القاهرة، وكان سكانها يزرعون المحاصيل ويصنعون الجعة والأدوات الحجرية الحادة.
وقبل بناء المسلة الشهيرة للملك سنوسرت الأول في هليوبوليس، نحو عام 1940 قبل الميلاد، كانت المنطقة تضم تجمعات زراعية تعود إلى فترة أسبق بكثير، وتحديدًا إلى ما قبل عام 3000 قبل الميلاد، أي قبيل توحيد وادي النيل وظهور واحدة من أقدم الدول في العالم.
https://www.youtube.com/watch?v=VeV9oY6AKhc
40 صندوقًا خشبيًا أعادت اكتشاف تاريخ هليوبوليس
تعود قصة المجموعة الأثرية إلى عالم المصريات الإيطالي إرنستو سكياباريللي، الذي أجرى حفريات في المنطقة خلال عامي 1905 و1906، ووصل إلى طبقات أثرية على عمق يقارب 9 أمتار تحت سطح الأرض.
وواجهت أعمال التنقيب صعوبات بسبب ارتفاع المياه الجوفية التي غمرت الخنادق، واضطر العمال إلى استخراج القطع الأثرية مباشرة من المياه.
واحتفظ سكياباريللي بأدوات الصوان التي عُثر عليها، إلا أن اهتمامه البحثي انصب بصورة أساسية على الآثار المعمارية والنقوش، لذلك لم تحظَ هذه المجموعة بالدراسة الكافية، وظلت محفوظة داخل 40 صندوقًا خشبيًا في المتحف المصري بتورينو لأكثر من 100 عام.
ونُقلت المجموعة مؤخرًا بصورة مؤقتة إلى متحف الدومو في مدينة براتشيانو الإيطالية، لإخضاعها للدراسة ضمن مشروع بحثي لإعادة فحص المجموعات الأثرية القديمة.
وفي الدراسة الجديدة، فحص الباحثون القطع واحدة تلو الأخرى، وتمكنوا من تحديد مصدر نحو 3 آلاف قطعة وربطها بصورة موثوقة بموقع هليوبوليس، اعتمادًا على الملصقات القديمة وأرقام الجرد ومقارنتها بالملاحظات والسجلات التي تركها سكياباريللي.
وتكتسب هذه المجموعة أهمية إضافية لأن الموقع الأصلي الذي أجريت فيه الحفريات لم يعد موجودًا بوصفه موقعًا أثريًا مستقلًا، بعدما امتدت المباني والتجمعات السكنية فوق المنطقة، لتصبح الصناديق المحفوظة في المتحف أحد أهم السجلات المتبقية لهذا الجزء من تاريخ هليوبوليس.
أدوات تكشف أسرار صناعة الصوان وتقسيم العمل
وعلى عكس بعض الحفريات الأثرية القديمة التي احتفظت بالقطع الجميلة أو المكتملة وتخلصت من البقايا، ضمت مجموعة هليوبوليس أدوات مكتملة، وكتلًا خامًا من الصوان كانت تُستخرج منها الشفرات، إلى جانب رقائق صغيرة ومخلفات عمليات التصنيع.
وسمح هذا التنوع للباحثين بدراسة طريقة صناعة الأدوات ومراحل إنتاجها، وليس الاكتفاء بتحليل أشكالها النهائية.
واستخدم سكان هليوبوليس أدوات الصوان في أنشطة الحياة اليومية، مثل القطع والكشط والثقب وحصاد المحاصيل، كما اعتمد الحرفيون على حصى الصوان عالي الجودة من الرواسب القريبة، لاستخراج شفرات طويلة ومنتظمة باستخدام مطارق مصنوعة من الأحجار اللينة.
وحدد الباحثون أربع طرق مختلفة لمعالجة الكتل الخام واستخراج الشفرات منها، كما أعادوا بناء تسلسل عمليات التصنيع، المعروف في علم الآثار باسم «chaîne opératoire»، وهو منهج يتتبع جميع المراحل التي يمر بها الحجر، بداية من اختياره وتشكيله، وصولًا إلى استخدام الأداة والتخلص منها بعد انتهاء عمرها الافتراضي.
وتكشف آثار كل مرحلة عن مهارات صانع الأداة وطبيعة العمل الذي أداه، وكيفية تنظيم الإنتاج داخل المجتمع، فضلًا عن العلاقة بين الحرفيين وبقية أفراد القرية.
ورش إنتاج متخصصة قبل ظهور الدولة المصرية
وكانت أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة هي وجود اختلاف واضح بين عدد الكتل الخام المستخدمة في صناعة الأدوات وعدد الشفرات المكتشفة داخل موقع الحفر.
فقد عثر الباحثون على أعداد كبيرة من الكتل الخام، مقابل عدد أقل نسبيًا من الشفرات المكتملة، رغم أن آثار التصنيع على الكتل تشير إلى إنتاج عدد أكبر بكثير من الشفرات التي عُثر عليها.
ويشير ذلك إلى أن معظم الشفرات كانت تُنقل إلى أماكن أخرى، بما يعني أن الموقع كان يضم ورشة إنتاج متخصصة تتجاوز احتياجات الحرفيين العاملين بها، وتوفر الأدوات لسكان مناطق أخرى.
وفي المقابل، كشفت الحفريات التي أجريت بالقرب من منطقة يُعتقد أنها كانت تضم مصنعًا للجعة عن صورة مختلفة؛ إذ عُثر على عدد قليل من الكتل الخام، بدت عليها آثار تشغيل أقل إتقانًا، بما يشير إلى أن سكان تلك المنطقة كانوا يحصلون على معظم الشفرات التي يحتاجون إليها من الورشة المتخصصة.
ويصف علماء الآثار هذا النمط بأنه «التخصص الحرفي غير المركزي» أو «arbitrary craft specialisation»، حيث يتولى عدد محدود من الأفراد تطوير مهارات متقدمة في حرفة معينة، دون وجود سلطة مركزية تتحكم في الوصول إلى المواد الخام أو تنظم الإنتاج على نطاق واسع.
ومع ذلك، لم يكن هؤلاء الحرفيون منفصلين عن النشاط الزراعي؛ فقد أظهرت شفرات المناجل الحجرية آثارًا متعددة لعمليات الشحذ والإصلاح، بما يشير إلى أن المستخدمين كانوا يتولون صيانة أدواتهم بأنفسهم.
كما عثر الباحثون على عدد محدود من شفرات المناجل ذات الحواف المسننة شديدة الدقة، يُرجح أنها صُنعت أو جرى تشطيبها باستخدام أدوات معدنية، وهو ما يشير إلى وجود حرفيين أكثر مهارة كانوا يشاركون أيضًا في أعمال الحصاد خلال الموسم الزراعي.
أدوات تكشف اتصالات أوسع بين مناطق مصر القديمة
ولم تقتصر الأدلة على النشاط الحرفي المحلي، إذ عثر الباحثون كذلك على سكاكين من نوع «الحمامية»، وهي شفرات صوانية أنيقة انتشرت في مناطق مختلفة من مصر خلال الفترة الزمنية نفسها.
كما ظهرت آثار تشير إلى تصنيع هذا النوع من الأدوات داخل هليوبوليس، وهو ما يفتح احتمالين؛ أولهما أن الحرفيين المحليين قلدوا تصميمًا مميزًا كان يحظى بمكانة خاصة، وثانيهما أن حرفيين متنقلين مروا بالمنطقة وأسهموا في نقل تقنيات التصنيع إليها.
وتعكس هذه القطع وجود تواصل بين التجمعات السكانية المصرية وتبادل للتصميمات والخبرات الحرفية خلال فترة سبقت قيام الدولة المركزية.
كيف مهد التخصص الحرفي لظهور الدولة الفرعونية؟
وقبيل عام 3000 قبل الميلاد، شهدت صناعة الأدوات الحجرية تغيرًا سريعًا، إذ اختفت الشفرات التقليدية التي ميزت منطقة الدلتا، ومنها الأدوات المنتجة في هليوبوليس، وحلت محلها شفرات أكثر توحيدًا في الشكل والمعايير.
ولم يعد إنتاج كثير من هذه الأدوات يعتمد على الورش المحلية الصغيرة، بل أصبحت تأتي من ورش كبيرة أقيمت بالقرب من مناجم الصوان في المناطق الصحراوية.
وتزامن هذا التحول مع صعود الدولة المصرية وزيادة الطلب على الفائض الزراعي، وهو ما دفع إلى تطوير أنماط أكثر تنظيمًا واتساعًا في إنتاج الأدوات وتوزيعها.
ورغم أن هذا التغير قد يبدو للوهلة الأولى نتيجة فرض نظام اقتصادي جديد من جانب الدولة الناشئة، فإن الأدلة المكتشفة في هليوبوليس تشير إلى أن المجتمعات الزراعية كانت قد عرفت بالفعل التخصص الحرفي وتقسيم العمل قبل ذلك.
فلم يكن جميع المزارعين يصنعون أدواتهم بأنفسهم، بل اعتمد بعضهم على حرفيين متخصصين داخل المجتمع لتوفير الشفرات اللازمة للعمل، وهو ما جعل الانتقال لاحقًا إلى الاعتماد على ورش إنتاج أكبر وأكثر تنظيمًا أمرًا أسرع وأسهل.
وتشير الدراسة إلى أن الدولة المصرية المبكرة لم تنشئ التعقيد الاقتصادي من الصفر، بل بنت على ترتيبات وعلاقات اقتصادية واجتماعية كانت المجتمعات المحلية قد طورتها بالفعل من خلال ممارساتها اليومية.
مخازن المتاحف تكشف أسرار مواقع أثرية اختفت
وتسلط الدراسة الضوء على أهمية المجموعات الأثرية المحفوظة في المتاحف، خاصة أن عددًا كبيرًا من المواقع التي جرى التنقيب فيها قبل قرن أو أكثر أصبح اليوم مدفونًا تحت المدن والحقول والتجمعات السكانية المتوسعة.
وفي القاهرة، يواصل علماء الآثار المصريون والجهات المعنية بالتراث جهودهم لحماية ما تبقى من آثار هليوبوليس ودراستها، لكن ارتفاع منسوب المياه الجوفية والضغوط العمرانية الناجمة عن التوسع السكاني يجعلان الحفاظ على الموقع سباقًا مستمرًا مع الزمن.
وتواجه مواقع أثرية أخرى في أفريقيا تحديات مختلفة، من بينها النزاعات المسلحة التي تجعل الوصول إليها وإجراء الحفريات فيها أمرًا بالغ الصعوبة، كما يحدث في أجزاء من السودان.
وفي ظل اختفاء بعض المواقع أو تعذر الوصول إليها، تمثل مخازن المتاحف أحيانًا الأرشيف الوحيد المتبقي لإعادة بناء تاريخها، رغم أن المجموعات التي تضم أدوات عادية، مثل شظايا الصوان والفخار وعظام الحيوانات، لا تحظى غالبًا بالاهتمام البحثي نفسه الذي تحظى به القطع الفنية أو الآثار الضخمة.
وأثبتت الدراسة، أن هذه المجموعات يمكن إعادة توثيقها والتحقق من مصدرها وعمرها من خلال مقارنة الملصقات القديمة والسجلات الأرشيفية، وتحليل المواد الخام، وربطها بنتائج الحفريات الحديثة.
كما استعان الباحثون بالفحص المجهري والتحليلات الكيميائية لتحديد الخصائص المميزة للصوان، وتتبع مصدره إلى الرواسب القريبة من التجمع السكني القديم.
وتثير الدراسة أيضًا قضية توزيع الآثار الأفريقية بين المتاحف الأجنبية ودول المنشأ، في ظل نظام «المحاصة الأثرية» القديم المعروف باسم «partage»، الذي كان يقضي بتقسيم المكتشفات بين البعثات الأجنبية والدول المضيفة، ما أدى إلى انتقال مجموعات أثرية عديدة من أفريقيا إلى متاحف أوروبية.
ويرى الباحثون، أن إعادة دراسة هذه المجموعات ونشر نتائجها بصورة مفتوحة يتيحان إعادة توظيفها علميًا، وإتاحة جانب مهم من تاريخ المجتمعات التي تنتمي إليها للأجيال الحالية.
