أتوبيسات كهربائية تشحن من الطريق عبر عجلاتها.. تقنية تقلل حجم البطاريات وتكلفة التشغيل

من الطريق إلى البطارية مباشرة.. شحن لاسلكي للحافلات بكفاءة تتجاوز 90%

من الشارع مباشرة إلى البطارية، طور باحثون نظامًا للشحن اللاسلكي يمكنه تزويد الحافلات الكهربائية بالطاقة عبر عجلاتها أثناء توقفها في محطات الحافلات، وهي تقنية يتوقع أن تسهم في خفض تكاليف تشغيل خطوط النقل العام بصورة كبيرة.

وتقف العجلة الخلفية لحافلة بريدية قديمة نسبيًا فوق لوحة بحجم عربة تسوق تقريبًا، وفجأة يبدأ مؤشر البطارية في الارتفاع: 10%، ثم 20%، ثم 30%، من دون الحاجة إلى توصيل كابل بين الحافلة ولوحة الشحن.

وطورت هذه التقنية شركة Winduction، وهي شركة منبثقة عن المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ ETH Zurich، ويهدف نموذج الحافلة الكهربائية الأول للشركة إلى معالجة تحدٍ يتزايد مع توسع استخدام الحافلات الكهربائية في وسائل النقل العام.

وتتقدم كهربة أساطيل الحافلات في سويسرا وأوروبا، لكن شركات النقل تعتمد حاليًا بصورة أساسية على الجمع بين بطاريات كبيرة ومحطات شحن عالية القدرة تستخدم كابلات سميكة، وكلاهما مكلف من حيث الشراء والصيانة.

كما يتم شحن الحافلات ليلًا في المستودعات، باستخدام كهرباء لا تأتي بالكامل بعد من مصادر متجددة، بينما تجعل البطاريات الضخمة الحافلات أثقل وزنًا، ما يزيد من تآكل بعض مكوناتها ويستهلك مساحة ثمينة.

كيف تشحن الحافلات بالكهرباء من خلال عجلاتها؟

يسعى مؤسسو Winduction، سونام بوكا، وسيلفان فريكر، ولورين شويتر، إلى تغيير هذا النهج.

وقال شويتر، خريج ETH والرئيس التنفيذي للشركة، إنهم يعتقدون أن تشغيل الحافلات الكهربائية يمكن أن يصبح أقل تكلفة بكثير إذا جرى شحنها لاسلكيًا وبصورة منتظمة أثناء التشغيل.

وتُعرف هذه التقنية باسم الشحن الحثي، وهي ليست جديدة من حيث المبدأ؛ إذ تستخدم الهواتف المحمولة مثلًا شحنًا لاسلكيًا عند وضعها فوق لوحات صغيرة على المكاتب أو طاولات بجوار الأسرّة، كما أصبحت السيارات الكهربائية قادرة أيضًا على الشحن لاسلكيًا.

لكن معظم أنظمة الشحن الحثي الحالية تسعى إلى نقل الكهرباء مباشرة من ملف موجود في الأرض إلى ملف ثانٍ أسفل المركبة، عبر مجال مغناطيسي غير مرئي يربط بين الملفين.

وتتمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسية لهذا التصميم في أن المسافة بين سطح الطريق وأسفل المركبة تكون كبيرة نسبيًا، كما تختلف من طراز حافلة إلى آخر.

وتعد هذه المسافة عاملًا أساسيًا في أنظمة الشحن الحثي، إذ تنخفض كفاءة نقل الطاقة كلما زادت المسافة بين ملف الإرسال وملف الاستقبال.

ملفات داخل العجلة وبطاريات أصغر

لذلك اتجه مؤسسو Winduction إلى تصميم مختلف، وقال فريكر، المسؤول عن التكنولوجيا في الشركة، إن الشيء الوحيد الموجود في أي مركبة والذي يظل دائمًا على اتصال بالأرض هو العجلات.

ومن هذه الملاحظة البسيطة جاءت فكرة الشركة التي يحمل اسمها معنى «الحث عبر العجلة» (wheel-based induction)، وتعمل التقنية باستخدام أنظمة من الملفات المقترنة مغناطيسيًا.

وتوضع مجموعة الملفات الأولى داخل لوحة أرضية مدمجة في سطح الطريق، وترتبط هذه الملفات بشبكة الكهرباء لتوليد مجال مغناطيسي.

أما المجموعة الثانية من الملفات، فتُدمج داخل إطار حافلة مصمم خصيصًا، لتلتقط الطاقة عندما تتوقف الحافلة فوق لوحة الشحن، ثم تنقلها إلى بطارية المركبة.

وقال فريكر، إن وضع الملفات داخل العجلة يقلل مسافة نقل الطاقة الكبيرة بين الطريق والجزء السفلي من المركبة.
ويحقق نظام Winduction كفاءة تتجاوز 90% في نقل الطاقة من الأرض إلى المركبة، ما يعني أن أقل من 10% من الكهرباء التي تدخل عبر لوحة الشحن الأرضية تُفقد أثناء عملية النقل.

كما أن قدرة النظام على العمل خلال فترات التوقف القصيرة تعني أن الحافلات يمكن أن تعتمد على بطاريات أصغر حجمًا، ما يخفض تكاليف شرائها وتشغيلها بصورة ملحوظة.

إطارات حافلات من دون فولاذ

لكن استخدام الإطار كحلقة وصل لنقل الطاقة فرض تحديًا تقنيًا آخر على الفريق، فإطارات الحافلات التقليدية تحتوي على أحزمة فولاذية تمنحها الثبات، إلا أن هذا الفولاذ يتفاعل مع المجال المغناطيسي ويحول جزءًا كبيرًا من الطاقة إلى حرارة بدلًا من نقلها.

وقال شويتر إن تشغيل النظام يتطلب، بالتعاون مع شركاء، تطوير إطار جديد بالكامل خالٍ من الفولاذ.

وعلى الرغم من أن هذا التغيير يرفع تكلفة الإطار الواحد للحافلة، فإن الزيادة تظل محدودة تقريبًا عند مقارنتها بإجمالي تكاليف شراء الحافلة وتشغيلها.

خفض التكلفة على مدى عمر خط الحافلات

ويرى مؤسسو Winduction أن الميزة الأكبر للتقنية تكمن تحديدًا في التكلفة الإجمالية، فشركات النقل لا تهتم فقط بسعر مكون منفرد في المركبة، وإنما بإجمالي تكلفة تشغيل خط الحافلات طوال عمره، بما يشمل شراء المركبات، واستهلاك الطاقة، والصيانة، والبنية التحتية، والعمالة، وتكاليف التمويل.

وبحسب حسابات Winduction، يمكن لنظام الشحن الجديد أن يخفض إجمالي هذه التكاليف بصورة كبيرة.

ويستند المؤسسون في توضيح ذلك إلى خط الحافلات الذي يربط مطار زيورخ بحي أورليكون في المدينة.

وقال شويتر إن حساباتهم تظهر تحقيق وفورات كبيرة مقارنة بالشحن في المستودعات، مشيرًا إلى أن حجم الوفورات يعتمد على مسار الخط، فيما تجري حاليًا دراسة جدوى بالتعاون مع مشغلي النقل لتحديد حجمها بدقة.

الشحن نهارًا يخفف الضغط على شبكة الكهرباء

ترجع الوفورات المتوقعة إلى عدة عوامل، فالحافلات ذات البطاريات الأصغر تكون أقل تكلفة ويمكنها نقل عدد أكبر من الركاب، كما أن لوحات الشحن الأرضية التي طورتها Winduction أقل تكلفة نسبيًا من البنية التحتية التقليدية للشحن.

وهناك ميزة أخرى تتمثل في إعادة شحن الحافلات عدة مرات خلال اليوم بدلًا من الاعتماد على جلسة شحن واحدة طويلة في المستودع.

فعلى خط مطار زيورخ–أورليكون، لن تكون هناك حاجة إلى لوحات شحن إلا عند محطتين من أصل 24 محطة، وستشحن الحافلات لمدة إجمالية تبلغ 3 ساعات على مدار 16 ساعة من التشغيل، ويسهم ذلك أيضًا في تقليل عدد المركبات الاحتياطية المطلوبة.

وبالمقارنة، تشحن الحافلات الكهربائية المستخدمة حاليًا على هذا الخط في المستودع لمدة 5 ساعات متواصلة ليلًا، وتحتاج إلى قدرة كهربائية أكبر بكثير من تلك التي يتطلبها نظام Winduction.

ومن المتوقع أن تصبح ميزة انخفاض استهلاك الطاقة أكثر أهمية مستقبلًا، مع تزايد توافر الكهرباء بأسعار أقل خلال ساعات النهار بفضل التوسع في الطاقة الشمسية الكهروضوئية.

وفي الوقت نفسه، يمكن خفض أحمال الذروة على شبكة الكهرباء، إذ لن تكون هناك حاجة إلى شحن جميع الحافلات في الوقت نفسه خلال الليل، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من خفض التكاليف.

تشغيل تجريبي في مطار زيورخ عام 2028

تبني شركة Winduction حاليًا بنية تحتية واقعية للاختبارات في مدينة فينترتور، بدعم من المكتب الفدرالي السويسري للنقل والمؤسسة السويسرية للمناخ.

وتشمل البنية التحتية مختبرًا للاختبارات ومحطة حافلات تجريبية خاصة بالشركة.

وقال شويتر إن المرحلة التالية من التطوير ستجمع جميع المكونات في صورة مهيأة للاستخدام الصناعي، موضحًا أن هدف الشركة هو بناء حافلة كهربائية معدلة بالكامل في أسرع وقت ممكن، بحيث يمكن استخدامها خارج منطقة الاختبار الخاصة بها.

ويخطط المؤسسون لإجراء أول تشغيل تجريبي عام 2028، فيما تجري حاليًا مناقشات مع عدد من مشغلي النقل السويسريين.

ومن بين المواقع المحتملة المنطقة المحيطة بمطار زيورخ، حيث ستُختبر الحافلة في ظروف تشغيل حقيقية، كما ستنقل الركاب للمرة الأولى.

وخلال ذلك، لن يلاحظ الركاب شيئًا تقريبًا؛ إذ ستنقل لوحة الشحن الموجودة في الطريق الكهرباء بهدوء ومن دون أسلاك مباشرة إلى بطارية الحافلة.

↑
Exit mobile version