يمثل تكوين “أبو رواش F” في حوض أبو الغراديق بالصحراء الغربية المصرية حالة جيولوجية استثنائية تعيد صياغة الفهم التقليدي لحدود الفصل بين “صخور المصدر” و“الخزان النفطي”.
فهو أحد أكثر الأصول البترولية تعقيداً وأهمية في تاريخ الطاقة المصري، ليس فقط بوصفه حقلاً إنتاجياً قديماً يعود اكتشافه إلى عام 1971، بل باعتباره نظاماً جيولوجياً متكاملاً لا يزال يُعيد إنتاج إمكاناته مع كل موجة جديدة من التطوير التكنولوجي وإعادة تفسير البيانات الجيولوجية.
فالدراسة المنشورة في Journal of African Earth Sciences ، تكشف أن هذا التكوين، الذي طالما صُنّف كمصدر هيدروكربوني خلال العصر التوروني من العصر الطباشيري المتأخر، يمتلك في أجزاء منه خصائص خزان فعّال قادر على الإنتاج التجاري، في تحول مفاهيمي مهم داخل علم مكامن البترول.
توضح الدراسة، أن التكوين ترسب خلال حدث الأكسجة المحيطية العالمية OAE2، وهو حدث جيولوجي بالغ الأهمية أدى إلى ترسيب صخور كربوناتية غنية بالمادة العضوية، مع نسب كربون عضوي تتراوح بين 1.5% و6%، هذا السياق الترسيبي كان سبباً في تصنيفه لعقود طويلة كصخر مصدر، إلا أن التحليل متعدد التخصصات أعاد تعريف دوره البترولي.
اعتمدت الدراسة على دمج غير مسبوق لسبع تقنيات تحليلية متكاملة: المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد، سجلات الآبار التقليدية، صور جدران الآبار، الرنين النووي المغناطيسي (NMR)، تحليل اللباب الصخري، التحليل البتروغرافي، والنمذجة الحوضية أحادية البعد.
يقع الحقل داخل حوض أبو الغراديق، وهو أحد الأحواض الانهدامية الكبرى في الصحراء الغربية، التي تُعد من أغنى الأقاليم البترولية في مصر.
بنية كامنة أكثر تعقيداً
وتكشف الدراسة، والتي أعدها فريق بحثي من شركة البترول العامة بمصر، بالتعاون مع باحثين من شركة تقنيات وخدمات الطاقة الأمريكية (إس إل بي)، أن هذا الحوض لا يُمثل مجرد بيئة ترسيب تقليدية، بل نظاماً تكتونياً معقداً تحكمه فوالق انزلاقية وإعادة تنشيط مستمرة للصدوع، ما خلق مصائد هيدروكربونية متعددة المستويات داخل أعماق متفاوتة. هذه الطبيعة البنيوية المعقدة هي ما سمح باستمرار الإنتاج لعقود رغم نضج الحقل.

هذا التكامل لم يكن توصيفياً فقط، بل كشف عن بنية كامنة أكثر تعقيداً، حيث تبين أن التكوين يتسم باستمرارية جانبية تتراوح سماكتها بين 20 و50 متراً، مع تباين موضعي تتحكم فيه الفوالق والشقوق الدقيقة.
النتيجة الأهم التي تضع هذا البحث في سياق تحولي هي إثبات وجود نظام “ثنائي المسامية” (Dual Porosity System)، حيث تتحكم الشقوق الطبيعية في ديناميكية تدفق الموائع، بينما توفر المصفوفة الدقيقة سعة تخزينية للهيدروكربونات.
رصد مؤشرات مباشرة للهيدروكربونات داخل الآبار
وقد سجلت القياسات البتروفيزيائية مسامية تتراوح بين 11% و27% بمتوسط يقارب 21%، مع نفاذية تصل إلى 2.5 ملي دارسي، وهي قيم، رغم تواضعها النسبي، تصبح اقتصادية في وجود شبكة شقوق فعّالة ومحفزة اصطناعياً.
وتدعم الأدلة الحقلية هذا التحول المفاهيمي؛ إذ تم رصد مؤشرات مباشرة للهيدروكربونات داخل الآبار، إلى جانب إنتاج فعلي موثق. أحد الآبار، بعد معالجته بالتحفيز الحمضي، سجل إنتاجاً يقارب 150 ألف برميل مكافئ نفط، وهو رقم يعكس قدرة التكوين على العمل كخزان تقليدي عند توافر الظروف الجيولوجية المناسبة.
ما يجعل هذا الاكتشاف أكثر عمقاً ليس فقط الإنتاجية، بل آلية تشكل الخزان نفسها، فالتكوين لا يعمل كخزان نمطي، بل كـ“خزان مُعاد تفعيله”، حيث تتحول الشقوق الناتجة عن التكتونية الانزلاقية (wrench tectonics) إلى شبكة نقل رئيسية تسمح بتدفق الهيدروكربونات داخل نظام كان يُعتقد أنه غير منتج بشكل مباشر. هذا ما وصفته الدراسة بأنه “خزان تقليدي مُحفَّز داخل صخر مصدر”.
الحقل ضمن سياق عالمي أوسع
وتشير الدراسات الأكاديمية، بما فيها أبحاث جامعة عين شمس، إلى وجود تشابهات جيولوجية بين تكوينات أبو رواش في مصر وتكوينات العصر الكريتاسي في حوض إيجل فورد في الولايات المتحدة، وهو ما يضع الحقل ضمن سياق عالمي أوسع يتعلق بإمكانات الغاز والنفط غير التقليدي داخل الصخور الكربوناتية الغنية بالمادة العضوية.
هذا التشابه لا يضيف بعداً علمياً فقط، بل يفتح الباب أمام نماذج استكشاف جديدة تعتمد على مقارنة الأنظمة البترولية عبر القارات.
لكن الأهمية الأعمق للحقل لا تكمن فقط في إنتاجه الحالي، بل في الاستراتيجية الجيولوجية الجديدة التي تُبنى حوله. فبرامج إعادة معالجة البيانات السيزمية ثلاثية الأبعاد في حوض أبو الغراديق كشفت عن تراكيب لم تكن مرئية سابقاً، وأعادت رسم خرائط الهجرة الهيدروكربونية داخل الحوض. هذا التطور التقني فتح الباب أمام مفهوم “إعادة إحياء الحقول الناضجة”، حيث لم يعد الحقل يُعامل كنظام مستنفد، بل كنظام متعدد الطبقات يمكن إعادة استكشافه باستمرار.
إمكانات غير مستغلة في الطبقات العميقة
في السياق الأوسع، تشير الدراسة إلى أن حوض أبو الغراديق، رغم كونه حوضاً ناضجاً إنتاجياً منذ الثمانينيات، ما زال يحتفظ بإمكانات غير مستغلة في الطبقات العميقة والمتداخلة، خصوصاً مع إعادة تفسير البيانات الزلزالية ثلاثية الأبعاد التي تم جمعها عام 2019، والتي كشفت عن تعقيدات تركيبية لم تكن مرئية في النماذج القديمة.
إمكانية تحوله إلى خزان منتج
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية في ضوء ما أوردته التقارير التي أكدت أن هذا التكوين كان يُنظر إليه تاريخياً باعتباره “صخور مصدر فقط”، قبل أن تُظهر البيانات الحديثة إمكانية تحوله إلى خزان منتج، وهو ما ينسجم مع نتائج الدراسة العلمية التي أعادت تعريف وظائفه البترولية.
تشير البيانات التشغيلية إلى أن الحقل حافظ على إنتاج مستقر نسبياً على مدى عقود، مع تسجيل إنتاج بلغ نحو 2600 برميل نفط يومياً و15 مليون قدم مكعبة من الغاز في 2021، وهو ما يعكس مرونة النظام البترولي وقدرته على التجدد الجزئي عبر استهداف طبقات أعمق وأكثر تعقيداً.
ويُعزى هذا الاستقرار إلى البنية التحتية المتطورة التي تديرها شركة خالدة للبترول، إلى جانب التكامل التشغيلي مع شركات أخرى مثل “نوربيتكو” وامتيازات تديرها “أبكس إنترناشيونال إنرجي”، ما عزز من كفاءة الربط الشبكي لنقل الغاز.
لكن رغم هذا التفاؤل العلمي، تبقى طبيعة الخزان غير متجانسة، إذ تشير التحليلات إلى أن الإنتاجية تعتمد بشكل كبير على استمرارية الشبكات الشقوقية، ما يجعل الأداء الإنتاجي حساساً للتغيرات البنيوية، وهو ما يفسر التحذيرات المتعلقة بتذبذب الإنتاج على المدى الطويل إذا غابت تقنيات التحفيز المناسبة مثل الحفر الأفقي والمعالجة الحمضية.
في المحصلة، لا يقدم أبو رواش F مجرد اكتشاف نفطي جديد، بل نموذجاً جيولوجياً لإعادة قراءة ما يُعرف بـ“الخزانات غير التقليدية الكربوناتية المرتبطة بالأحداث المحيطية العالمية”، حيث تتداخل الجيولوجيا القديمة مع تقنيات الاستكشاف الحديثة لتكشف عن موارد كانت مصنفة خارج نطاق الجدوى الاقتصادية، لكنها اليوم تعود إلى قلب معادلة الطاقة في مصر.
Share
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
- المشاركة على Reddit (فتح في نافذة جديدة) Reddit
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على Mastodon (فتح في نافذة جديدة) Mastodon
- المشاركة على Nextdoor (فتح في نافذة جديدة) Nextdoor
- المشاركة على Bluesky (فتح في نافذة جديدة) Bluesky
