د.عاطف معتمد: هوية مصر.. كيف تتناغم الهويات المتعددة؟

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

يحتفظ الأرشيف الألماني بخبر صحفي جاء فيه أن الملك فؤاد في رحلة إلى ألمانيا طالب بإعادة رأس نفرتيتي إلى مصر.

وفقا للمؤرخ الأمريكي دونالد ريد فإن الخبر الصحفي ضم رسما كاريكاتوريا تتهكم فيه نفرتيتي وهي تخاطب الملك فؤاد قائلة “أتريد أن تأخذني من هنا لتضمني إلى حريم قصرك؟!”.

كانت تلك الغمزة من نفرتيتي تشير من طرف خفي إلى أن الملك فؤاد يحاول في نفس الوقت أن يجعل من مصر ذات هوية عربية وإسلامية، ومن ثم لا علاقة له بتراث المصريين القدماء.

في الثلث الأول من القرن العشرين، وفي سعي مصر للاستقلال عن الاستعمار البريطاني تنازعت مصر هويات متعددة، عبر عنها عدد كبير من المفكرين، كان في طليعتهم سلامة موسى، الدكتور محمد حسـ( يــ )ـن هيكل، العقاد، الحكيم، ولحق بهم نجيب محفوظ في بعض قصصه القصيرة ورواياته ( واهمها قصة صحوة المومياء التي ينتفض فيها المصريون القدماء للتحرر من الاستعمار البريطاني).

المتحف المصري الكبير

عقول النخبة المصرية حائرة

 

كانت عقول النخبة المصرية حائرة: هل تبحث عن خلاصها في الماضي المصري القديم أي النزعة الفرعونية؟ أم في الرابط العروبي الإسلامي؟

في تلك الفترة لم تكن كلمة فرعونية تثير حساسية كما هي اليوم.

آنذاك، لم يكن أحد يقول لك “لا تقل فرعونية بل قل مصر القديمة” كما يفعل المتقعرون اليوم!

الفرعونية لها مستويان: تفسير حرفي بمعنى بيت الملك الحاكم، ومن ثم فهي تخص الملوك لا الشعب، ومعنى أوسع وهي تاريخ مصر القديمة بصروحه الشاهقة المدهشة، ومنتجه الحضاري العريق.

وإلى اليوم تخرج في دور النشر العالمية كل عام عشرات الكتب لعلماء كبار يعطون لمؤلفاتهم عنوان “مصر الفرعونية”.

حتى وقت قريب كان منتخب كرة القدم في مجده في عهد حسني مبارك يحمل لقب “منتخب الفراعنة” !

حسنا…لماذا ذهب الملك فؤاد في عهد هتلر مطالبا برأس نفرتيتي؟ هل كان ذلك دافعا وطنيا مصريا مخلصا أم كان ضمن لعبة التنافس الاستعماري الذي وقعت فيه مصر لضغط الاحتلال الإنجليزي ومحاولة إخراج فرنسا وألمانيا من ساحة علم المصريات؟

الإجابة موجودة بالفعل في عشرات الصفحات في الكتاب الضخم الذي أصدره المؤرخ الأمريكي دونالد ريد (ونقله للعربية أسامة حميد وعاطف معتمد وياسر معوض) وسيخرج للنور قريبا بإذن الله عن “دار البحر الأحمر” بالقاهرة.

أريد أن أبقى الآن في لحظة الهوية الفوارة التي وصلت ذروتها بافتتاح المتحف المصري الكبير: هل هذه لحظة مؤقتة موسمية؟ أم تتسق مع بقية هويات العروبة والأفريقانية والإسلام والحداثة والعصرنة؟

هل هذه فترة موسمية أم مطلوبة لتحتل مساحة أكبر على حساب الهويات الأخرى: لا سيما العروبية والإسلامية؟

 

هناك مستويان لاكتشاف الإجابة:

– أن الأمر موجة إعلامية وصور ملونة وشعارات طنانة؟

– أن الأمر عقيدة جديدة للهوية المصرية تنتشر بعلم ودراسة في التعليم والجامعات والمنابر الفكرية.

ولأن الموضوع يستحق كتابا أو مجلدا كاملا يتصدى له مؤرخون مخلصون، فسأسمح لنفسي فقط بكتابة سطرين على سبيل الخواطر العابرة

فأقول: “هوية مصر هي كل هذه الهويات مجتمعة، جميعها يساند بعضها بعضا، لا أفضلية لواحدة على الأخرى: أن تكون مصريا يعني أن تكون منتميا لمجد الفراعنة والحضارة التي أنارت الدنيا ودولتهم العظمى التي امتدت من الشام (جناح مصر الشمالي) إلى عمق السودان (جناح مصر الجنوبي)، أن تكون مصريا يعني أن تكون فخورا بمصر الأفريقية وجذورها المتشعبة والمتشابكة مع شعوب حوض النيل، وأن تكون أيضا قبطيا معتزا بهوية مصر المسيحية التي جعلت من الكنيسة المصرية كنيسة عالمية، وأن تكون أيضا عروبيا مسلما، لأن مصر أكبر تأثيرا وأخطر مكانة بعمقها العربي وتشابكاتها الإسلامية”.

وإذا استعرنا تعبير العبقري إدوارد سعيد – المشهور فقط بكونه ناقدا للاستشراق الاستعماري مع إهمال دوره في الموسيقي – فإن مصر أشبه بمقطوعة موسيقية كاملة: قد تعلو فيها نغمة وقت صمت بقية النغمات، ثم تهدأ …لتصعد نغمة أخرى تلعب لفترة دور العزف المنفرد، وكل ذلك يؤلف اللحن المتناغم الكامل”.

نقلا عن صحفته عبر الفيسبوك

Exit mobile version