لأكثر من قرن، اعتقد علماء الأحياء أن الطبقة الخارجية للنبات هي التي تحدد شكل أعضائه أثناء النمو، لكن دراسة جديدة تشير إلى أن النشاط الجيني في عمق الأنسجة هو العامل الحاسم.
وتوصل الباحثون إلى أن سماكة الساق ترتبط بمجموعة صغيرة من الجينات التي تتحكم في كيفية انقسام الخلايا الداخلية، وهو ما يعيد صياغة الفهم التقليدي لكيفية بناء النبات لأجزائه.
وقد يساعد هذا الاكتشاف في تفسير سبب اختلاف أشكال بعض الثمار، مثل البطيخ الذي قد يكون مستديرًا أو ممدودًا، كما يفسر قدرة المزارعين على تغيير خصائص المحاصيل عبر الانتخاب الزراعي.
ونُشرت الدراسة في دورية “كارنت بيولوجي”، حيث ظل الاعتقاد السائد لعقود أن الطبقات الخارجية للنبات، أو ما يُعرف بالبشرة النباتية، هي المسؤولة عن التحكم في النمو، إذ كانت تقاوم أو تستجيب للضغط الناتج عن الخلايا الداخلية الأكثر ليونة.
وقد استند هذا الاعتقاد إلى ملاحظات تشير إلى أن سطح النبات يكون تحت شد، بينما تتعرض الأنسجة الداخلية للضغط.
لكن المشكلة كانت في صعوبة دراسة الخلايا المسؤولة عن هذه العملية، نظرًا لوجودها في منطقة صغيرة ومعقدة عند قمة النمو، تُعرف باسم “منطقة الأضلاع”، حيث تبدأ الساق في التكوّن.
في هذه المنطقة، تنقسم الخلايا بنمط منتظم، غالبًا بزاوية قائمة على اتجاه النمو، ما ينتج صفوفًا متوازية من الخلايا تشبه الأعمدة المتراصة.
وقام فريق البحث، بقيادة البروفيسور روبرت سابلوسكي من مركز جون إينيس، بتطوير تقنيات تصوير ثلاثية الأبعاد وتتبع الخلايا، ما أتاح مراقبة انقسامها بدقة.
وفي دراسات سابقة، أظهر الفريق أن بروتينًا معينًا ينظم نمط انقسام الخلايا، حيث يقوم بتفعيل أو تعطيل جينات أخرى، من بينها عائلة جينية لم يكن دورها واضحًا سابقًا.
ولفهم وظيفة هذه الجينات، قام الباحثون بإيقافها في نبات “أرابيدوبسيس”، وهو نبات نموذجي يُستخدم في الأبحاث العلمية.
وكانت النتيجة أن السيقان أصبحت أكثر سماكة، دون تغير يُذكر في الطول، نتيجة إضافة صفوف جديدة من الخلايا عبر عرض الساق.
وأظهرت المتابعة أن بعض الخلايا لم تعد تنقسم بزاوية قائمة، بل اتخذت اتجاهات مختلفة، ما أدى إلى زيادة عرض الساق بدلاً من طوله.
وكان اللافت أن هذه الجينات تعمل داخل الأنسجة العميقة، وليس في الطبقة الخارجية كما كان يُعتقد.
كما كشفت الدراسة أن اتجاه انقسام الخلايا هو الذي يحدد شكل العضو النباتي، وليس نتيجة للنمو كما كان يُعتقد سابقًا.
وقد صرّح سابلوسكي بأن هذه النتائج تتحدى الافتراض السائد بأن نمو أعضاء النبات تتحكم فيه الأنسجة الخارجية.
كما استخدم الفريق وسمًا فلوريًا لتتبع أحد البروتينات، حيث تبين أنه يتجمع في موقع انقسام الخلية، محددًا اتجاه الانقسام.
ولا يقتصر هذا التأثير على السيقان، إذ أظهرت دراسات سابقة أن جينات مشابهة تؤثر في شكل ثمار الطماطم، حيث تجعلها ممدودة بدلاً من مستديرة، عبر توجيه انقسام الخلايا.
كما تبين أن جينات مماثلة في الأرز تؤثر في عرض الحبوب، وفي الخيار والبطيخ تحدد شكل الثمار.
ويفتح هذا الاكتشاف آفاقًا جديدة لتحسين المحاصيل الزراعية، إذ يمكن توجيه نمو النباتات بدقة أكبر من خلال التحكم في سلوك الخلايا، بدلًا من الاعتماد على التجربة والخطأ.
ورغم ذلك، لا يزال العلماء يسعون لفهم الكيفية التي يترجم بها اتجاه انقسام الخلايا إلى قوى فيزيائية تُشكل الأنسجة.
وقد تساعد الإجابة عن هذا السؤال في تطوير أساليب أكثر دقة في تربية النباتات، كما قد تحسم جدلًا علميًا استمر لأكثر من قرن حول مصدر تحديد شكل النبات.
