نباتات تمتص المعادن النادرة من التربة.. ثورة خضراء قد تغيّر صناعة التكنولوجيا

اكتشاف علمي يعيد رسم خريطة الطاقة والتكنولوجيا عالميًا.. بديل نظيف للتعدين التقليدي

توجد العناصر الأرضية النادرة في معظم الهواتف والسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح حول العالم، غير أن استخراجها من باطن الأرض يتطلب عمليات معقدة تشمل الأحماض والمواد الكيميائية، ما يؤدي إلى تلوث بيئي واسع يستغرق سنوات لمعالجته.

وغالبًا ما تنتج هذه العمليات نفايات تفوق بكثير كمية المعادن المستخرجة، كما يظهر في التلال المجردة ومخلفات التعدين في جنوب الصين. إلا أن هذه المناطق نفسها تغطيها أنواع معينة من النباتات، من بينها نوع من السرخس يحمل مفاجأة علمية.

قاد الباحث رونج-ليانج كيو، من جامعة جنوب الصين الزراعية، فريقًا علميًا لدراسة هذا السرخس، حيث اكتشفوا أن نبات Dicranopteris linearis يمتص المعادن النادرة من التربة ويخزنها في أوراقه.

نباتات تمتص المعادن النادرة من التربة قد توفر بديلاً نظيفًا للتعدين التقليدي

وتصل تركيزات هذه المعادن في أوراق النبات إلى نحو 0.7% من الوزن الجاف، وهي نسبة تفوق ما يوجد في كثير من الصخور التي يتم تعدينها تقليديًا.

ويعتمد هذا النبات على ضوء الشمس والماء فقط لإجراء ما يشبه المرحلة الأولى من تنقية المعادن، دون الحاجة إلى عمليات صناعية معقدة.

أزمة متصاعدة في الإمدادات

يتزايد الطلب العالمي على المعادن النادرة، خاصة مع توسع استخدام السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. وتشير التوقعات إلى أن الطلب قد يتضاعف بحلول عام 2050.

في المقابل، تهيمن الصين على نحو 70% من الإنتاج العالمي و90% من عمليات التكرير، رغم تراجع احتياطياتها بنسبة تقارب 45% منذ ثمانينيات القرن الماضي، ما يدفع للبحث عن مصادر بديلة.

اكتشاف علمي يعيد رسم خريطة الطاقة والتكنولوجيا عالميًا

ميزة السرخس الاستوائي

تحتوي معظم أنواع التربة على كميات ضئيلة من المعادن النادرة، لكن استخراجها اقتصاديًا غير مجدٍ. هنا يأتي دور هذا السرخس، الذي يركز المعادن في أنسجته بنسبة تزيد أكثر من 30 مرة عن التربة المحيطة.

ويمتاز بأنه لا يحتاج إلى ري أو أسمدة، وينمو طبيعيًا في عدة دول آسيوية. كما يستطيع إعادة نمو أوراقه بنسبة تصل إلى 90% خلال عام أو عامين بعد حصاده.

نباتات أخرى بديلة

في المناطق المعتدلة، درس العلماء نباتًا آخر هو Phytolacca americana، الذي يميل إلى امتصاص العناصر الثقيلة مثل الإيتريوم والديسبروسيوم، المستخدمة في المغناطيسات المتقدمة وشاشات العرض.

ورغم حاجته إلى تربة غنية، فإنه قادر على تحويل مواقع التعدين المهجورة إلى مصدر اقتصادي.

سرّ السرخس الاستوائي.. كيف يحصد المعادن النادرة دون تلوث؟

تجاوز المعالجة الكيميائية

عادة ما تتطلب عملية استخراج المعادن من النباتات حرقها ومعالجتها كيميائيًا، وهو ما يستهلك طاقة ومواد مكلفة. لكن الدراسة الجديدة تقترح استخدام الرماد الناتج مباشرة دون فصل المعادن.

هذا الرماد غني بعناصر تُستخدم في الأسمدة المتخصصة، والإضاءة، وتحفيز تفكيك البلاستيك، دون الحاجة إلى الأحماض.

عوائد اقتصادية وانبعاثات أقل

تشير التقديرات إلى أن استخراج المعادن تقليديًا من النباتات يحقق نحو 464 دولارًا للهكتار، بينما قد تصل القيمة إلى أكثر من 10 آلاف دولار عند استخدام الرماد مباشرة.

كما تسهم هذه الطريقة في تقليل الانبعاثات الكربونية بشكل كبير مقارنة بالتعدين التقليدي.

تحديات قائمة

رغم ذلك، لا يمكن لهذه التقنية أن تحل محل التعدين بالكامل، إذ إن إنتاج النباتات لا يزال محدودًا مقارنة بالطلب العالمي.

كما تثير مسألة امتصاص النباتات لعناصر ثقيلة أخرى مخاوف تتعلق بالسلامة، خاصة في حال استخدامها كأسمدة.

ولا تزال التجارب في مراحلها البحثية، مع الحاجة إلى تطبيقات ميدانية واسعة قبل اعتمادها تجاريًا.

سرّ نباتات تحوّل التربة إلى منجم للمعادن النادرة

آفاق مستقبلية

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام تحويل الأراضي الملوثة ومخلفات التعدين إلى مصادر اقتصادية جديدة، وقد يمنح دولًا صغيرة فرصة دخول سوق المعادن النادرة.

ورغم أن هذه النباتات لن تغني عن التعدين، فإنها قد تصبح جزءًا مهمًا من منظومة إنتاج أكثر استدامة في المستقبل.

Exit mobile version