تجربة استمرت عامين رصدت زيادة تصل إلى 46% في أزهار حشيشة برية بعد تعرضها لجرعات منخفضة من مبيد ديكامبا، لكن زيارات الحشرات لكل زهرة تراجعت بنحو الثلث
في مفارقة علمية لافتة، قد لا تؤدي الجرعات الضئيلة من مبيدات الأعشاب إلى إضعاف النباتات المستهدفة دائمًا، بل يمكن أن تدفع بعضها إلى إنتاج مزيد من الأزهار، مع تغيير حجم الأزهار وأنماط زيارة الحشرات الملقحة لها.
وكشفت دراسة نشرت في مجلة «New Phytologist» العلمية في 5 أكتوبر 2026، أن التعرض لجرعات منخفضة من مبيد الأعشاب «ديكامبا» (Dicamba)، نتيجة انجرافه من المنطقة التي رُش فيها، زاد عدد أزهار نبات حشيشة الحميض الصفراء، المعروفة علميًا باسم Oxalis stricta، خلال تجربتين أُجريتا في عامي 2022 و2023.
لكن زيادة الأزهار لم تعنِ بالضرورة زيادة التكاثر؛ ففي السنة الأولى ارتفع عدد البذور المقدّر دون أن تكون الزيادة ذات دلالة إحصائية، بينما لم تسجل التجربة الثانية زيادة واضحة في إنتاج الثمار. وفي الوقت نفسه، كانت الأزهار أصغر حجمًا، وانخفض معدل زيارة الحشرات لكل زهرة بنحو 33%.
وتسلط النتائج الضوء على أثر بيئي محتمل لانجراف المبيدات، إذ يمكن أن تتغير استجابة النباتات وتفاعلاتها مع الحشرات حتى عندما لا تكون الجرعة كافية لقتلها.
كيف يتحول مبيد الأعشاب إلى محفز للنمو؟
يُستخدم ديكامبا لمكافحة الأعشاب عريضة الأوراق، ويعمل من خلال محاكاة تأثير هرمون الأوكسين النباتي الذي ينظم جوانب من نمو النبات وتطوره.
وعند تعرض النباتات الحساسة لجرعات مرتفعة، يمكن أن يختل نموها بدرجة تؤدي إلى موتها.
لكن الجرعات المنخفضة قد تنتج استجابة مختلفة تُعرف باسم «الهرمزة» (Hormesis)، وهي ظاهرة تظهر فيها زيادة في سمة معينة، مثل النمو أو الإزهار، عند التعرض لمستوى منخفض من عامل قد يكون ضارًا عند مستويات أعلى.
وقد تصل كميات صغيرة من المبيد إلى النباتات غير المستهدفة عندما تنتقل قطرات الرش أو أبخرته خارج المنطقة المعالجة، وهي ظاهرة تُعرف بانجراف المبيدات.
ولفهم تأثير هذه الجرعات في الإزهار والتكاثر وتفاعل النباتات مع الحشرات، اختبرت الباحثة الرئيسية أنـاه سوبل بوتـران وزملاؤها، تحت إشراف الباحثة ريجينا باوكوم من جامعة ميشيغان، استجابة نبات حشيشة الحميض الصفراء لهذا النوع من التعرض.
زيادة تصل إلى 46% في عدد الأزهار
في التجربة الأولى، زرع الباحثون نحو 500 بذرة جُمعت من 31 عائلة أمومية للنبات، ثم عرّضوا نصف النباتات لجرعة من ديكامبا تعادل نحو 0.7% من الجرعة الحقلية الموصى بها، بينما تلقت المجموعة الأخرى خليط الرش نفسه من دون المبيد.
وخلال الأسابيع الثلاثة التالية للمعالجة، زاد نمو النباتات المعرضة للمبيد بنحو 44% وفق مقياس نمو الأوراق المستخدم في الدراسة.
وكان تأثير الإزهار أكثر وضوحًا؛ إذ أنتجت النباتات المعرضة للمبيد متوسطًا بلغ 139 زهرة لكل نبات حتى الصقيع الأول في نوفمبر 2022، مقارنة بنحو 95 زهرة في النباتات غير المعرضة، أي زيادة تقارب 46%.
وفي عام 2023، كرر الفريق التجربة على نحو 700 نبات، وظهرت زيادة الإزهار مرة أخرى، رغم عدم تسجيل زيادة واضحة في النمو.
وخلال الشهر الأول بعد المعالجة في التجربة الثانية، أنتجت النباتات المعرضة للمبيد نحو 180 زهرة في المتوسط، مقابل 140 زهرة للنباتات غير المعرضة، بزيادة تقارب 29%.
وتشير النتيجتان إلى أن زيادة الإزهار كانت الاستجابة الأكثر اتساقًا عبر العامين، في حين اختلف تأثير المبيد في النمو والتكاثر من سنة إلى أخرى.
أزهار أكثر لا تعني بذورًا أكثر بالضرورة
رغم زيادة عدد الأزهار، لم تثبت الدراسة أن التعرض لجرعة منخفضة من ديكامبا يؤدي بصورة مؤكدة إلى إنتاج مزيد من النسل.
ففي تجربة 2022، ارتفع عدد البذور المقدّر بنحو 18% لدى النباتات المعرضة للمبيد، لكن التفاوت الكبير بين النباتات جعل هذه الزيادة غير دالة إحصائيًا.
وأشارت التحليلات إلى أن أي تأثير محتمل في إنتاج البذور كان مرتبطًا بصورة غير مباشرة بزيادة عدد الأزهار، وليس بتأثير مباشر واضح للمبيد في إنتاج البذور.
أما في تجربة 2023، فلم تؤد زيادة الأزهار إلى زيادة قابلة للرصد في عدد الثمار.
ويرجح الباحثون أن توقيت التعرض قد يكون أحد العوامل المؤثرة؛ ففي عام 2022، لم تكن سوى 17% من النباتات قد بدأت الإزهار عند الرش، بينما كانت النسبة 78% في عام 2023. وقد تختلف استجابة النبات تبعًا لمرحلة نموه والظروف البيئية المحيطة به.
وبذلك، لا يمكن اعتبار زيادة الإزهار وحدها دليلًا على أن المبيد يعزز قدرة الحشائش على التكاثر أو الانتشار.
الأزهار أصغر والحشرات تزور كل زهرة بمعدل أقل
لم يقتصر تأثير الجرعة المنخفضة على عدد الأزهار؛ فقد وجد الباحثون أيضًا أن الأزهار التي أنتجتها النباتات المعرضة للمبيد كانت أصغر.
واستنادًا إلى قياسات 3430 زهرة في تجربة 2023، بلغ متوسط عرض الزهرة في النباتات المعرضة نحو 8.09 ملليمتر، مقابل 8.73 ملليمتر في النباتات غير المعرضة.
ورصد الفريق الحشرات الزائرة خلال جلسات ملاحظة امتدت 20 دقيقة لكل مجموعة من النباتات، بين سبتمبر وأكتوبر.
وأظهرت النتائج انخفاض معدل الزيارات لكل زهرة بنحو 33% في النباتات المعرضة للمبيد، مقارنة بالنباتات الأخرى.
لكن استجابة الحشرات لم تكن متطابقة؛ إذ انخفضت زيارات نحل العسل والذباب إلى الأزهار المعرضة، بينما ارتفعت زيارات النحل الطنان ارتفاعًا طفيفًا، ولم يظهر فرق واضح في زيارات ذباب الزهور من فصيلة السرفيد.
وتشير هذه الاختلافات إلى أن الحشرات لا تستجيب جميعها بالطريقة نفسها للتغيرات التي تحدث في حجم الأزهار وعددها.
هل تجذب النباتات المعالجة عددًا أقل من الملقحات؟
تحتاج هذه النتيجة إلى قراءة دقيقة؛ فهناك فرق بين عدد الزيارات لكل زهرة وعدد الزيارات للنبات بأكمله.
فعلى الرغم من انخفاض معدل الزيارات لكل زهرة، فإن النباتات المعرضة للمبيد أنتجت عددًا أكبر من الأزهار. ووجد تحليل الباحثين أن زيادة عدد الأزهار قد تعيد توزيع انتباه الحشرات على عدد أكبر من الأزهار، بدلًا من أن تعني بالضرورة ابتعادها عن النبات كله.
وبعبارة أخرى، قد تحصل كل زهرة على زيارات أقل، حتى إذا ظل النبات في مجمله قادرًا على جذب اهتمام الحشرات بفضل كثرة أزهاره.
لكن الدراسة لم تثبت أن هذا التغير يؤدي إلى انخفاض فعلي في انتقال حبوب اللقاح أو نجاح التلقيح أو إنتاج النسل على المدى الطويل.
وتبقى هذه الأسئلة مهمة لأن تغير حجم الأزهار وكثافتها قد يؤثر في سلوك الحشرات وفي حركة حبوب اللقاح بين النباتات.
هل تساعد الجرعات المنخفضة على انتشار الحشائش؟
تثير النتائج تساؤلًا حول ما إذا كان التعرض المتكرر لجرعات ضئيلة من المبيدات قد يمنح بعض الحشائش ميزة في النمو أو الإزهار.
لكن الباحثين لا يقدمون دليلًا على أن هذه الاستجابة تجعل الأعشاب أكثر مقاومة للمبيدات أو تؤدي حتمًا إلى زيادة انتشارها في الحقول.
ولم يجد الفريق دليلًا واضحًا على اختلاف وراثي بين العائلات النباتية في مقدار زيادة الإزهار الناتجة عن التعرض لديكامبا، ما يشير إلى أن الاستجابة المرصودة كانت في الأساس استجابة مرنة للنبات خلال الجيل نفسه، وليست دليلًا على تطور وراثي يجعل الأجيال اللاحقة أكثر استفادة من المبيد.
في المقابل، ظهرت اختلافات بين العائلات في مدى انخفاض حجم الأزهار، ما يشير إلى وجود مكوّن وراثي محتمل لهذه السمة تحديدًا.
كما أن التجربة اقتصرت على نوع واحد من النباتات وجرعة منخفضة واحدة في بيئة بحثية؛ لذلك لا يمكن تعميم نتائجها على جميع أنواع الحشائش أو المبيدات أو ظروف الزراعة.
ما الذي تعنيه النتائج للزراعة والتنوع البيولوجي؟
تؤكد الدراسة، أن تقييم أثر المبيدات لا ينبغي أن يقتصر على معرفة ما إذا كانت تقتل النباتات المستهدفة، بل يجب أن يشمل أيضًا تأثير الجرعات غير المقصودة في النباتات المحيطة، وتكوين الأزهار، وسلوك الحشرات التي تزورها.
وقد تساعد دراسات مستقبلية، تشمل أنواعًا نباتية وجرعات وظروفًا بيئية مختلفة، في تحديد ما إذا كانت هذه الاستجابات تؤثر في التلقيح أو إنتاج البذور أو العلاقات بين النباتات والملقحات على مدى أطول.
كما يمكن أن تساعد متابعة النباتات عبر أجيال متعاقبة في توضيح ما إذا كانت زيادة الإزهار تترجم إلى زيادة فعلية في انتشار الحشائش، أو تظل استجابة مؤقتة تتغير وفق ظروف النمو.
الخلاصة
لا يحتاج مبيد الأعشاب إلى قتل النبات كي يغيّر مسار نموه. فقد تدفع جرعات منخفضة من ديكامبا بعض النباتات إلى إنتاج أزهار أكثر وأصغر، مع تغير معدل زيارات الحشرات لكل زهرة.
لكن هذه الاستجابة لا تثبت وحدها زيادة التكاثر أو انتشار الحشائش، وتؤكد أهمية فهم الآثار غير المقصودة لانجراف المبيدات على النظم البيئية الزراعية.
