أصبح لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لأول مرة اختبار ميداني مخصص للكشف عن ارتجاج المخ أثناء المباريات، بعد تطوير بروتوكول جديد يحمل اسم FOCUS، يتيح للأطباء تقييم اللاعبين المصابين بإصابات الرأس في أقل من 3 دقائق على أرض الملعب.
ويهدف البروتوكول الجديد إلى مساعدة الطواقم الطبية على اتخاذ قرار سريع بشأن استمرار اللاعب في المباراة أو استبداله، في ظل تزايد المخاوف من مخاطر عودة اللاعبين إلى اللعب قبل اكتشاف إصابتهم بارتجاج في المخ.
أول اختبار مصمم خصيصًا لكرة القدم
حتى الآن، لم تكن كرة القدم تمتلك اختبارًا مخصصًا لتقييم حالات ارتجاج المخ داخل الملعب، وكان الأطباء يعتمدون على أدوات طُورت لرياضات أخرى أو على اختبارات تستغرق بين 10 و15 دقيقة، وهي مدة لا تتناسب مع طبيعة المباريات.
وقاد تطوير البروتوكول الباحث كيري بيك من القسم الطبي في الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالتعاون مع لجنة دولية من الخبراء، بهدف إعداد اختبار يتلاءم مع ظروف المباريات ويستند إلى الأدلة العلمية.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية JAMA Neurology ، وأكد الباحثون أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في ملاحظة الضربة التي يتعرض لها اللاعب، بل في تقييم حالته سريعًا خلال الدقائق الأولى بعد الإصابة.
كيف يعمل اختبار FOCUS؟
يحمل البروتوكول اسم FOCUS، اختصارًا لعبارة Football-Specific On-Pitch Concussion Assessment، ويضم 45 عنصرًا للتقييم موزعة على 11 محورًا، صُممت جميعها بحيث يمكن تنفيذها خلال فترة توقف اللعب.
واعتمد الباحثون في إعداد البروتوكول على مراجعة 65 دراسة علمية، قبل عرض قائمة الفحوص على أطباء وأخصائيي علاج طبيعي من الاتحادات القارية الستة لكرة القدم، حيث جرى اعتماد الاختبارات التي حظيت بموافقة لا تقل عن 80% من الخبراء.
خطوات الفحص داخل الملعب
يبدأ الفحص على خط التماس، حيث يراجع الطبيب التاريخ المرضي للاعب فيما يتعلق بإصابات الارتجاج السابقة، ثم يراقب طبيعة الضربة بحثًا عن علامات خطيرة، مثل فقدان الوعي أو التشنجات أو القيء.
بعد ذلك، يطرح الطبيب على اللاعب مجموعة من الأسئلة السريعة، مثل تذكر تفاصيل الالتحام، واسم الملعب، وآخر لاعب سجل هدفًا في المباراة.
كما يشمل الفحص اختبارات للتوازن مع إغلاق العينين، والتناسق الحركي باستخدام اختبار الإصبع والأنف، إضافة إلى تقييم حركة العين من خلال متابعة جسم متحرك.
وأكد الباحثون أن الهدف من البروتوكول ليس تشخيص ارتجاج المخ بشكل نهائي، وإنما تحديد ما إذا كانت هناك مؤشرات تستدعي إخراج اللاعب من الملعب لإجراء تقييم طبي أكثر شمولًا.
متى يجب استبدال اللاعب؟
يعتمد البروتوكول على مبدأ الحذر، إذ إن ظهور أي علامة أو عرض غير مبرر يؤدي إلى إيقاف الفحص وسحب اللاعب لإجراء تقييم طبي متقدم.
ويستند هذا النهج إلى دراسات أظهرت أن اللاعبين الذين يواصلون اللعب بعد الإصابة بارتجاج المخ يحتاجون عادة إلى فترة أطول للتعافي.
أما إذا لم تظهر أي أعراض مقلقة، فيُطلب من اللاعب إجراء اختبار جري قصير يتضمن تغيير الاتجاه، للتأكد من عدم ظهور أعراض مع بذل المجهود، قبل السماح له بالعودة إلى المباراة.
نتائج أول تجربة ميدانية
اختُبر بروتوكول FOCUS في إحدى البطولات الاحترافية، حيث خضع ثمانية لاعبين تعرضوا لضربات في الرأس للفحص باستخدام النظام الجديد.
وأظهرت النتائج أن متوسط زمن الفحص بلغ أقل من 3 دقائق، بينما استغرق أقصر تقييم 18 ثانية فقط، بسبب ظهور علامات واضحة استوجبت استبعاد اللاعب فورًا، في حين تجاوز أطول فحص 4 دقائق نتيجة الحاجة إلى علاج جرح في الرأس.
وتم استبعاد ثلاثة لاعبين من المباراة، وتأكد لاحقًا إصابة اثنين منهم بارتجاج في المخ، بينما استمر خمسة لاعبين في اللعب، وأثبتت الفحوص اللاحقة أنهم لم يكونوا مصابين.
لماذا تحتاج كرة القدم إلى اختبار خاص؟
يشير الباحثون إلى أن أدوات تقييم الارتجاج المستخدمة في الرياضات الأخرى لا تتناسب دائمًا مع طبيعة كرة القدم، لأن إصابات ارتجاج المخ فيها أقل شيوعًا مقارنة برياضات مثل الرجبي.
كما أن بعض العلامات التي تُعد مؤشرًا خطيرًا في رياضات أخرى قد تكون مضللة في كرة القدم، إذ قد يبقى اللاعب مستلقيًا على الأرض بهدف إضاعة الوقت أو الحصول على خطأ، وليس بالضرورة بسبب فقدان الوعي.
ولذلك، لا يعتبر بروتوكول FOCUS بقاء اللاعب على الأرض سببًا تلقائيًا لاستبداله، بل مؤشرًا يستدعي إجراء تقييم أكثر دقة.
خطوة نحو توحيد معايير السلامة
يتزامن إطلاق البروتوكول مع اعتماد كرة القدم نظام التبديل الدائم بسبب الارتجاج، الذي يسمح باستبدال اللاعب المصاب دون أن يخسر فريقه أحد تبديلاته العادية.
ورغم أن التجارب السابقة أظهرت استبدال معظم اللاعبين المصابين في المباريات، فإن نحو 20% من اللاعبين الذين تأكدت إصابتهم بارتجاج المخ عادوا إلى اللعب مؤقتًا قبل اكتشاف الإصابة.
ويرى الباحثون أن بروتوكول FOCUS قد يقلل من هذه الحالات، من خلال توفير آلية موحدة وسريعة لتقييم اللاعبين في جميع مستويات اللعبة، من بطولات كأس العالم إلى المباريات المحلية.
وأشاروا إلى أن البروتوكول لا يغني عن الفحوص الطبية المتخصصة التي تُجرى خارج الملعب، مثل اختبار SCAT6، الذي يحتاج إلى بيئة هادئة ويستغرق من 10 إلى 15 دقيقة.
ويؤكد فريق الدراسة أن المرحلة المقبلة ستشهد تجارب أوسع لتقييم دقة البروتوكول، إلا أنه يمثل أول نظام موحد صُمم خصيصًا لظروف كرة القدم، بما يعزز سلامة اللاعبين على المستوى العالمي.
