يتسبب كسوف الشمس الكلي المرتقب غدا الأربعاء في تغيرات مؤقتة في الظروف الجوية على امتداد مساره من المناطق القطبية الشمالية وصولًا إلى أجزاء من أوروبا الغربية، حيث يمكن أن تنخفض درجات الحرارة وتتراجع سرعة الرياح وتتغير مستويات الرطوبة وتغطية السحب.
ويحدث ذلك عندما يمر القمر أمام الشمس ويلقي بظله على سطح الأرض، ما يقلل كمية الإشعاع الشمسي، أي ضوء الشمس والطاقة التي تصل إلى سطح الأرض.
وكلما زادت كمية الإشعاع الشمسي التي يحجبها القمر، حتى لفترة قصيرة، أصبحت التغيرات الجوية أكثر وضوحًا.
ويشبه تأثير الكسوف في هذا الجانب ما يحدث عندما تكون منطقة ما مظللة في يوم شديد الحرارة، إذ تكون أكثر برودة بصورة واضحة من المناطق الواقعة تحت أشعة الشمس المباشرة.
أين تكون تأثيرات الكسوف أكثر وضوحًا؟
سيحجب كسوف يوم الأربعاء الشمس بالكامل على امتداد مسار ضيق يشمل أجزاء من شمال روسيا وجرينلاند وأيسلندا والبرتغال وإسبانيا، ما يوفر فرصة لرصد تغيرات جوية أكثر وضوحًا في المناطق الواقعة ضمن مسار الكسوف الكلي.
لكن تأثيرات الكسوف على الطقس ليست متساوية في جميع المناطق.
ويختلف مقدار انخفاض درجة الحرارة وفقًا لعوامل أخرى، من بينها غطاء السحب ووقت حدوث الكسوف من العام وزاوية الشمس في السماء.
وعادةً ما تحدث أكبر الانخفاضات في درجات الحرارة خلال فترات بعد الظهر الصيفية المشمسة، عندما تكون الشمس مرتفعة في السماء.
وتؤدي زاوية الشمس المرتفعة إلى زيادة شدة الإشعاع الشمسي وارتفاع درجات الحرارة، وبالتالي يكون تأثير حجب الإشعاع أكثر وضوحًا على أجهزة قياس الحرارة.
انخفاض يصل إلى 14 درجة فهرنهايت
وفقًا للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، يمكن أن يصل انخفاض درجات الحرارة إلى ما بين 8 و14 درجة فهرنهايت في المناطق منخفضة الرطوبة، أي ما يعادل نحو 4.4 إلى 7.8 درجات مئوية.
وتبدأ درجات الحرارة في الانخفاض تدريجيًا مع بداية الكسوف، لكنها لا تصل إلى أدنى مستوياتها بالضرورة أثناء لحظة الكسوف الكلي نفسها.
ويرجع ذلك إلى أن درجة حرارة الهواء تتأخر في الاستجابة للتغير السريع في كمية الإشعاع الشمسي.
وخلال كسوف الشمس الكلي الذي شهدته الولايات المتحدة عام 2017، لم تصل درجات الحرارة إلى أدنى مستوياتها في منطقة وادي أوهايو السفلي إلا بعد نحو 5 إلى 10 دقائق من انتهاء الكسوف الكلي.
السحب قد تحد من انخفاض الحرارة
سيحدث الكسوف المرتقب خلال فترة بعد الظهر في أيسلندا وجرينلاند، لكن مقدار انخفاض الحرارة هناك سيعتمد بدرجة كبيرة على كمية السحب.
ومن المتوقع وجود غطاء سحابي ملحوظ في بعض هذه المناطق، وهو ما يمكن أن يحد من انخفاض درجات الحرارة، لأن السحب تحجب بالفعل جزءًا من الإشعاع الشمسي قبل وصوله إلى سطح الأرض.
أما في البرتغال وإسبانيا، فسيحدث الكسوف الكلي قبل غروب الشمس بفترة قصيرة.
وبالتالي، قد تنخفض درجات الحرارة بسرعة أكبر قليلًا مما يحدث عادة قبل غروب الشمس، لكن من غير المرجح أن يكون الانخفاض كبيرًا بالدرجة نفسها التي كان يمكن تسجيلها لو حدث الكسوف في وقت مبكر من فترة بعد الظهر.
الكسوف يؤثر في الرياح والسحب والرطوبة
لا يقتصر تأثير كسوف الشمس على درجات الحرارة، إذ يمكن أن يؤدي انخفاض الإشعاع الشمسي وتراجع الحرارة إلى تغييرات مؤقتة في سرعة الرياح وغطاء السحب ومستويات الرطوبة.
فعندما تنخفض الحرارة سريعًا أثناء الكسوف، تقل كمية الحرارة المخزنة في الغلاف الجوي لفترة قصيرة.
وتدفع الحرارة الهواء إلى الصعود، وهو ما يساهم في جعل الغلاف الجوي أكثر عدم استقرار.
وفي محاولة لاستعادة التوازن، يمكن للغلاف الجوي أن يكوّن السحب والعواصف والرياح لتصريف الطاقة الحرارية.
لكن مع تبريد الهواء أثناء الكسوف، يصبح الغلاف الجوي أكثر استقرارًا بصورة مؤقتة، فتتراجع سرعة الرياح لأن الغلاف الجوي لا يحتاج إلى العمل بالقدر نفسه لاستعادة توازنه.
وخلال كسوف الشمس الكلي الذي حدث عام 2017، أجرى العلماء مجموعة من القياسات الجوية في ولايتي وايومنغ ونيويورك، ووجدوا أن سرعة الرياح انخفضت بمتوسط بلغ نحو 6 أميال في الساعة نتيجة الكسوف.
انخفاض الحرارة قد يقلل السحب
يمكن للانخفاض الكبير في درجات الحرارة أيضًا أن يؤثر في كمية السحب.
وخلال كسوف الشمس الكلي الذي شهدته الولايات المتحدة في 8 أبريل 2024، انخفضت تغطية السحب فوق أجزاء من شمال تكساس، بعدما فقدت السحب مصدر الطاقة الذي يساعد على استمرار تكوّنها، وهو الحرارة التي تدفع الهواء إلى الصعود وتكوين السحب.
وتوضح صور الأقمار الصناعية هذه التغيرات بوضوح، إذ أظهرت انخفاضًا في الغطاء السحابي فوق أجزاء من المنطقة أثناء الكسوف.
لماذا تصبح الرطوبة أكثر وضوحًا؟
ترتبط درجة الإحساس بالرطوبة ارتباطًا وثيقًا بدرجة الحرارة.
وترتفع الرطوبة النسبية عندما تقترب درجة حرارة الهواء من درجة الندى، وهي درجة الحرارة التي تعبّر عن كمية بخار الماء الموجودة في الهواء.
وبالتالي، عندما تنخفض درجة حرارة الهواء لفترة قصيرة أثناء الكسوف، فإنها تقترب من درجة الندى، ما يجعل الهواء يبدو أكثر رطوبة قليلًا.
وهكذا، فإن ظاهرة فلكية تستمر لفترة محدودة يمكن أن تحدث تغيرات مؤقتة في عدد من عناصر الطقس، بدءًا من الحرارة والرياح، وصولًا إلى السحب والرطوبة.
كسوف كلي جديد في 2027
لن يكون هذا آخر كسوف شمسي كلي يمكن رصد تأثيراته على الطقس.
ومن المقرر أن يحدث الكسوف الشمسي الكلي التالي في 2 أغسطس 2027، أي بعد نحو عام من الكسوف الحالي.
وسيمر مسار الكسوف الكلي عبر أجزاء من جنوب إسبانيا وشمال أفريقيا والمملكة العربية السعودية واليمن، ما يتيح فرصة جديدة لمراقبة التأثيرات الجوية المصاحبة للظاهرة، خصوصًا في المناطق التي تكون فيها الشمس قوية ومرتفعة خلال وقت الكسوف.
