تحويل قش القمح إلى “ذهب أسود” يغذي المحاصيل ويعزز احتفاظ التربة بالنيتروجين ويخفض الانبعاثات

تعديل الفحم الحيوي بالمنجنيز يعزز حفظ النيتروجين في تربة الأرز.. من المخلفات الزراعية إلى خفض الانبعاثات

كشفت دراسة علمية أن تعديل الفحم الحيوي المصنوع من قش القمح بمركبات المنجنيز قد يساعد على الاحتفاظ بالنيتروجين داخل التربة الزراعية، من خلال تعزيز مسار ميكروبي يحوّل النترات إلى الأمونيوم، مع خفض انبعاثات أكسيد النيتروز، أحد غازات الدفيئة القوية.

وأظهرت التجارب المعملية أن الفحم الحيوي المحمّل بالمنغنيز رفع معدل اختزال النترات إلى الأمونيوم بنحو 2.9 مرة مقارنة بالتربة غير المعالجة، كما انخفضت انبعاثات أكسيد النيتروز التراكمية إلى 1.9 ملليجرام من النيتروجين لكل كيلوجرام من التربة الجافة، مقابل 17.6 ملليجرام في التربة غير المعالجة.

ونُشرت الدراسة في دورية Biochar، وركزت على تحسين قدرة الفحم الحيوي على نقل الإلكترونات، بما يدعم نشاط الكائنات الدقيقة المسؤولة عن الاحتفاظ بالنيتروجين بدلًا من فقدانه في صورة غازات.

وتكتسب النتائج أهميتها من أن النيتروجين عنصر أساسي لنمو النباتات، إذ يدخل في تكوين البروتينات والكلوروفيل، لكن جزءًا منه قد يُفقد من التربة بفعل التحولات الميكروبية أو الغسل.

ومن بين هذه التحولات، عملية نزع النيتروجين، التي يمكن أن تنتج أكسيد النيتروز أو غاز النيتروجين، ما يقلل كمية النيتروجين المتاحة للنبات ويسهم في الانبعاثات الزراعية.

تحويل قش القمح إلى ذهب أسود يغذي المحاصيل

مسار ميكروبي يساعد على الاحتفاظ بالنيتروجين

ركز الباحثون على عملية تُعرف باسم «اختزال النترات غير التمثيلي إلى الأمونيوم» (DNRA)، وهي مسار ميكروبي يحوّل النترات إلى أمونيوم، وهو شكل من النيتروجين أقل حركة في التربة وأكثر قابلية للاحتفاظ به.

وتختلف هذه العملية عن نزع النيتروجين؛ إذ يؤدي المسار الأول إلى الاحتفاظ بالنيتروجين في التربة، بينما يمكن أن تنتهي عملية نزع النيتروجين بتحويله إلى غازات تتسرب إلى الغلاف الجوي.

لكن تنشيط مسار اختزال النترات إلى الأمونيوم يتطلب إمدادًا أكبر بالإلكترونات؛ إذ يحتاج تحويل جزيء النترات إلى الأمونيوم إلى ثمانية إلكترونات، مقابل خمسة إلكترونات في المسار الذي يحوّل النترات إلى غاز النيتروجين، ولذلك قد تتغلب عملية نزع النيتروجين على المسار الأكثر احتفاظًا بالنيتروجين عندما تكون الإلكترونات المتاحة محدودة.

ومن هنا جاءت فكرة الدراسة: تعديل الفحم الحيوي لزيادة قدرته على نقل الإلكترونات بين المواد المشاركة في التفاعلات الميكروبية، بما يساعد على توجيه مزيد من النترات نحو تكوين الأمونيوم.

كيف عُدّل الفحم الحيوي؟

صنع الباحثون الفحم الحيوي من قش القمح باستخدام التحلل الحراري عند درجة حرارة بلغت 400 درجة مئوية في بيئة من النيتروجين، ثم حمّلوه بمركبات المنجنيز ذات النشاط التأكسدي والاختزالي، للحصول على مادة أطلقوا عليها اسم الفحم الحيوي المحمّل بالمنجنيز (MnBC).

وتقوم الفكرة على أن المنغنيز يستطيع الانتقال بين حالات أكسدة مختلفة، ما قد يتيح له المشاركة في نقل الإلكترونات.

وعندما توجد هذه المركبات على سطح الفحم الحيوي، يمكن أن تعمل مع البنية الكربونية للمادة على تسهيل انتقال الإلكترونات خلال التفاعلات التي تنفذها الكائنات الدقيقة.

وأظهرت التحليلات أن تحميل الفحم الحيوي بالمنغنيز غيّر خصائص سطحه وبنيته المسامية، ورفع مساحة سطحه النوعية من 13.5 إلى 121.7 مترًا مربعًا لكل جرام، كما زاد حجم المسام الكلي بنحو 19 مرة، من 0.023 إلى 0.435 سنتيمتر مكعب لكل جرام.

كذلك ارتفعت السعة الكهروكيميائية النوعية للمادة المعدلة إلى 6.5 فاراد لكل جرام، بزيادة تقارب 2.4 مرة مقارنة بالفحم الحيوي الأصلي، بينما ارتفعت سعة تبادل الإلكترونات بنحو 1.8 مرة في العينة المحمّلة بالمنغنيز المستخدمة في التجربة الرئيسية.

وعلى امتداد مجموعة من العينات ذات مستويات تحميل مختلفة بالمنغنيز، ارتفعت سعة تبادل الإلكترونات من 364 إلى 801.6 ميكرومول إلكترون لكل جرام، بما يدعم وجود علاقة بين زيادة تحميل المنغنيز وتحسن الخصائص المرتبطة بنقل الإلكترونات.

تجربة على تربة حقول الأرز

تحويل قش القمح إلى ذهب أسود

اختبر الباحثون المادة في تجربة معملية باستخدام تربة من حقل أرز في مقاطعة فوجيان الصينية، وجُمعت عينات التربة من الطبقة السطحية، على عمق يتراوح بين صفر و20 سنتيمترًا، ثم وُضعت في ظروف مضبوطة مع إضافة الفحم الحيوي الأصلي أو المعدل، ومقارنتها بعينات لم تتلقَّ أي إضافة.

وأُجريت التجربة الرئيسية في ظروف لاهوائية عند درجة حرارة 25 مئوية لمدة 22 يومًا، مع استخدام نترات موسومة بنظير النيتروجين-15 لتتبع مصير النيتروجين، وتحديد مقدار ما تحوّل منه إلى أمونيوم مقارنة بالمسارات الأخرى.

وأظهرت النتائج أن معدل الإنتاج الصافي للأمونيوم بلغ 0.63 ملليجرام من النيتروجين لكل كيلوجرام من التربة الجافة يوميًا في معاملة الفحم الحيوي المحمّل بالمنغنيز، مقابل 0.28 ملليجرام في معاملة الفحم الحيوي الأصلي، و0.22 ملليجرام في التربة غير المعالجة.

وبذلك بلغ المعدل في المعاملة المعدلة نحو 2.9 مرة مستوى التربة غير المعالجة، ونحو 2.3 مرة مستوى التربة التي أضيف إليها الفحم الحيوي الأصلي.

كما أظهر التتبع بالنظير أن نسبة النيتروجين الموسوم الذي تحوّل إلى أمونيوم ارتفعت من 2% في التربة غير المعالجة إلى 6.7% مع الفحم الحيوي الأصلي، ثم إلى 10.8% مع الفحم الحيوي المحمّل بالمنغنيز، من إجمالي النترات المختزلة خلال التجربة.

وتشير هذه النتائج إلى أن تعديل الفحم الحيوي لم يقتصر على زيادة تراكم الأمونيوم، بل ارتبط أيضًا بزيادة مساهمة مسار اختزال النترات إلى الأمونيوم في التحولات الكلية للنترات.

انخفاض انبعاثات أكسيد النيتروز

إلى جانب تأثيره في الاحتفاظ بالنيتروجين، سجل الفحم الحيوي المعدل انخفاضًا واضحًا في انبعاثات أكسيد النيتروز التراكمية خلال فترة التجربة.

فقد بلغت الانبعاثات 1.9 ملليجرام من النيتروجين لكل كيلوجرام من التربة الجافة في المعاملة المعدلة، مقابل 7.4 ملليجرام مع الفحم الحيوي الأصلي، و17.6 ملليجرام في التربة غير المعالجة.

وتعادل هذه النتائج انخفاضًا يقارب 89% مقارنة بالتربة غير المعالجة، ونحو 74% مقارنة بالفحم الحيوي الأصلي، وفقًا للقيم المسجلة خلال فترة الحضانة المعملية.

ومع ذلك، لم تسجل التجربة فروقًا ذات دلالة إحصائية في انبعاثات غاز النيتروجين (N₂) بين المعاملات، كما لم تُظهر التحليلات زيادة معنوية في التعبير عن معظم الجينات المرتبطة بنزع النيتروجين في المعاملة المعدلة مقارنة بالمعاملات الأخرى.

لذلك، لا يمكن إرجاع انخفاض أكسيد النيتروز إلى آلية واحدة بصورة قاطعة، ويرى الباحثون أن تعزيز مسار اختزال النترات إلى الأمونيوم قد أسهم في تغيير توزيع النيتروجين بين المسارات المختلفة، لكن احتمال مساهمة تغيرات أخرى في توزيع نواتج نزع النيتروجين يظل قائمًا.

دور المنجنيز والكربون العضوي وميكروبات التربة

تحويل قش القمح إلى ذهب أسود

لم يقتصر التحليل على قياس النيتروجين والانبعاثات، بل شمل أيضًا دراسة التغيرات في المجتمعات الميكروبية والتعبير عن الجينات المرتبطة بالمسار المستهدف.

وأظهرت النتائج ارتفاع التعبير عن الجين nrfA، المرتبط باختزال النيتريت إلى الأمونيوم ضمن مسار DNRA، في التربة التي عولجت بالفحم الحيوي المحمّل بالمنجنيز.

كما ازدادت الوفرة النسبية لمجموعات بكتيرية مرتبطة بهذا المسار، من بينها مجموعات تنتمي إلى الشعب البكتيرية Bacteroidota وIgnavibacteriota وBacillota.

وتدعم هذه التغيرات احتمال أن المادة المعدلة ساعدت على تهيئة ظروف أكثر ملاءمة للكائنات الدقيقة التي تحتفظ بالنيتروجين في صورة أمونيوم، بدلًا من تحوله إلى نواتج غازية.

ورصد الباحثون أيضًا ارتفاع تركيز الكربون العضوي الذائب في التربة مع انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة ببعض المعاملات الأخرى. وفسروا ذلك باحتمال أن تسهم مركبات المنغنيز في تحرير جزء من الكربون العضوي الأصلي الموجود في التربة من ارتباطاته المعدنية، بما يجعله أكثر إتاحة للكائنات الدقيقة بوصفه مصدرًا للإلكترونات.

ولم تسجل الدراسة تغيرًا قابلًا للكشف في إجمالي كربون التربة خلال فترة الحضانة، ما يشير إلى أن زيادة الكربون العضوي الذائب لم تقترن بفقد ملحوظ في إجمالي الكربون خلال هذه التجربة القصيرة.

لكن هذا التفسير يظل آلية محتملة تدعمها مجموعة من القياسات، وليس عملية جرى تتبع جميع مراحلها مباشرة على مدار التجربة. كما أن عدم رصد فقد في إجمالي الكربون خلال 22 يومًا لا يثبت استقرار مخزون الكربون على المدى الطويل.

هل يمكن تطبيق التقنية في الحقول الزراعية؟

تحويل قش القمح إلى ذهب أسود

تشير الدراسة إلى أن تحميل الفحم الحيوي بالمنغنيز قد يكون وسيلة لتحسين كفاءة الاحتفاظ بالنيتروجين في التربة، مع إمكانية الاستفادة من المخلفات الزراعية مثل قش القمح في إنتاج المادة المستخدمة.

لكن النتائج مستمدة من تجارب معملية قصيرة الأجل على تربة أرز في ظروف لاهوائية مضبوطة، ولا تكفي وحدها لإثبات أن التقنية ستحقق التأثير نفسه في الحقول المفتوحة أو في أنواع التربة والمحاصيل المختلفة.

وتحتاج الأبحاث المقبلة إلى اختبار المادة في ظروف زراعية واقعية تتغير فيها درجات الحرارة والرطوبة وأنظمة الري، وتقييم تأثيرها في نمو المحاصيل وكفاءة استخدام الأسمدة، فضلًا عن متابعة مصير المنغنيز واحتمالات انتقاله إلى المياه أو تأثيره في الكائنات الحية بالتربة.

كما يتطلب التطبيق العملي تحديد الجرعات المناسبة، ومدى استمرار التأثير، وتكلفة إنتاج الفحم الحيوي المعدل على نطاق واسع، وما إذا كانت فوائده البيئية والزراعية تفوق تكاليف تصنيعه واستخدامه.

وبذلك تقدم الدراسة دليلًا معملّيًا على أن تعديل الفحم الحيوي بالمنغنيز يمكن أن يعزز مسارًا ميكروبيًا يساعد على الاحتفاظ بالنيتروجين ويحد من انبعاثات أكسيد النيتروز، مع بقاء تقييم جدواه الزراعية والبيئية على المدى الطويل مرهونًا بتجارب ميدانية إضافية.

↑
Exit mobile version