قد يبدو تخصيص جزء من الدخل للإيجار وآخر للطعام، وجزء ثالث للترفيه أو الإجازات، وسيلة عملية لتنظيم الميزانية والتحكم في الإنفاق.
لكن هذه الطريقة في تصنيف الأموال قد تؤثر أيضًا في تقييمنا للمشتريات، وتجعلنا نرى مبلغين متساويين باعتبار أن أحدهما يستحق الإنفاق بينما ينبغي الاحتفاظ بالآخر.
فقد يشعر شخص بأنه يهدر أمواله إذا اضطر إلى شراء تذكرة بديلة بعد فقدان التذكرة الأصلية، بينما قد لا يتردد في إنفاق المبلغ نفسه على شراء التذكرة إذا فقد نقودًا بالقيمة ذاتها.
يطلق علماء النفس والاقتصاد السلوكي على هذه الظاهرة اسم «المحاسبة الذهنية» (Mental Accounting)، وهي ميل الإنسان إلى التعامل مع الأموال بصورة مختلفة وفقًا للغرض المخصص لها أو مصدرها أو الطريقة التي حصل عليها بها، بدلًا من النظر إلى قيمتها المالية وحدها.
وكشفت دراسة دولية شملت 5589 شخصًا بالغًا في 21 دولة أن هذه الظاهرة تظهر عبر بلدان وثقافات مختلفة، بما يساعد على تفسير أسباب عدم تطابق بعض قرارات الإنفاق اليومية دائمًا مع الحسابات المالية البحتة.
ونُشرت الدراسة في دورية «Journal of Consumer Research» المتخصصة في أبحاث سلوك المستهلك.
لماذا تبدو المدخرات المتساوية مختلفة؟
في إحدى التجارب التي تناولتها الدراسة، طُلب من المشاركين التفكير في شراء سترة ومكبر صوت يعمل بتقنية البلوتوث، يبلغ إجمالي سعرهما 140 دولارًا.
وفي أحد السيناريوهين، بلغ سعر مكبر الصوت 15 دولارًا، بينما ارتفع في سيناريو آخر إلى 125 دولارًا، مع تعديل سعر السترة بحيث يظل إجمالي المشتريات ثابتًا عند 140 دولارًا.
بعد ذلك، طُلب من المشاركين التفكير في إمكانية قطع رحلة تستغرق 20 دقيقة لتوفير خمسة دولارات عند شراء مكبر الصوت.
وأظهرت النتائج أن المشاركين كانوا عمومًا أكثر استعدادًا لبذل الوقت والجهد لتوفير المبلغ نفسه عندما كان الخصم متعلقًا بالسلعة الأرخص سعرًا.
ورغم أن قيمة التوفير ظلت خمسة دولارات، ولم تتغير مدة الرحلة، فإن السعر الأصلي للسلعة أثر في تقدير المشاركين لمدى جدوى هذا التوفير.
وتوضح التجربة كيف يمكن للسياق الذي تُعرض فيه الصفقة أن يغير إحساس الإنسان بقيمة المال، حتى عندما لا تتغير الحسابات الفعلية للمبلغ الذي سيوفره.
لماذا نشعر بالخسارة عند ضياع تذكرة أكثر من ضياع النقود؟
تناولت تجربة أخرى تأثير الطريقة التي يُنظر بها إلى الخسارة المالية، إذ تخيل المشاركون فقدان تذكرة اشتروها بالفعل لحضور فعالية، تبلغ قيمتها 40 دولارًا، أو فقدان 40 دولارًا نقدًا قبل شراء التذكرة.
وأظهرت النتائج أن المشاركين كانوا عمومًا أقل استعدادًا لدفع ثمن تذكرة جديدة بعد فقدان التذكرة الأصلية، مقارنة بفقدان المبلغ نفسه نقدًا.
ويُفسر ذلك بأن شراء تذكرة بديلة قد يجعل الشخص يشعر بأنه دفع 80 دولارًا مقابل حضور فعالية واحدة، بينما قد لا يربط خسارة النقود النقدية بالميزانية التي خصصها للترفيه بالطريقة نفسها.
وبذلك، لا تتعلق المسألة بقيمة الخسارة وحدها، بل بالحساب الذهني الذي يضعها فيه الإنسان، وما إذا كان يعتبرها جزءًا من تكلفة النشاط الذي يرغب في القيام به.
وامتدت التجارب إلى طريقة تقييم السلع وفقًا للمكان الذي تُباع فيه؛ إذ أبدى المشاركون استعدادًا لدفع مبلغ أكبر مقابل مشروب من فندق فاخر مقارنة بالمبلغ الذي قد يدفعونه مقابل المشروب نفسه من متجر متواضع، رغم أنهم سيشربونه في الحالتين على الشاطئ.
وتكشف هذه الأمثلة أن القيمة التي يمنحها الإنسان للمال أو للمنتج لا تتحدد دائمًا بالسعر أو المنفعة المباشرة، بل تتأثر أيضًا بالسياق والتوقعات المرتبطة بالشراء.
كيف تغير الاشتراكات السنوية إحساسنا بالتكلفة؟
بحثت تجربة أخرى في تأثير طريقة الدفع على تقييم الخسارة، باستخدام سيناريو يتعلق بالاشتراك في صالة للألعاب الرياضية.
وتخيل المشاركون نظامين للدفع: الأول يعتمد على دفع 20 دولارًا مقابل كل زيارة، والثاني يقوم على دفع 1000 دولار مقابل اشتراك سنوي، مع وصف التكلفة السنوية بأنها تعادل نحو 20 دولارًا لكل زيارة أسبوعية.
وفي السيناريو، اضطر أحد المشاركين إلى مغادرة المكان قبل ممارسة التمارين بسبب مكالمة غير متوقعة.
عندما يكون الدفع مقابل كل زيارة على حدة، تبدو الزيارة الفائتة أقرب إلى خسارة مالية محددة يمكن ربطها مباشرة بالمبلغ المدفوع. أما في حالة الاشتراك السنوي، فقد يصبح من الأسهل النظر إلى التكلفة باعتبارها جزءًا من دفعة أكبر، بدلًا من ربطها بكل زيارة منفردة.
وبالتالي، يمكن لطريقة الدفع أن تغير شعور الشخص بالتكلفة المرتبطة بخدمة لم يستخدمها، حتى عندما تكون القيمة المحسوبة لكل زيارة متقاربة.
وتوضح هذه النتيجة كيف يمكن لتصميم الاشتراكات وأنظمة الدفع أن يؤثر في إدراك المستهلك لقيمة ما يدفعه، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أحد النظامين أفضل ماليًا في جميع الحالات.
اختبار المحاسبة الذهنية في 21 دولة
للتحقق من مدى استمرار هذه الأنماط السلوكية في مجتمعات مختلفة، أجرى فريق البحث مسحًا شمل 5589 شخصًا بالغًا في 21 دولة خلال عام 2022.
وأجاب المشاركون عن سبع مجموعات من الأسئلة المتعلقة بالقرارات المالية، مع تعديل الصياغات والمبالغ لتناسب الظروف المحلية.
ولم يكتف الباحثون بتحويل المبالغ المالية بين العملات المختلفة، بل راعوا مستويات دخل الأسر في كل دولة عند تحديد القيم المستخدمة في السيناريوهات، بهدف جعل الاختيارات أكثر ملاءمة للسياقات الاقتصادية المختلفة.
وأوضح كاي روجيري، أحد الباحثين المشاركين، أن التغيرات الكبيرة في طرق تلقي الأموال وإنفاقها، خصوصًا مع انتشار المدفوعات الرقمية الآلية، جعلت إجراء دراسة واسعة ومنهجية عن المحاسبة الذهنية أمرًا ضروريًا.
وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة مع تحول كثير من المعاملات اليومية إلى المدفوعات الإلكترونية، التي قد تجعل عملية الدفع أقل ارتباطًا بالتعامل المباشر مع النقود، وتغير الطريقة التي يشعر بها المستهلك بالتكلفة.
نتائج متشابهة رغم اختلاف البلدان
أظهرت المقارنة بين نتائج الدول المشاركة أن 133 نتيجة من أصل 147 تطابقت مع الأنماط التي توصلت إليها الدراسات السابقة، بنسبة بلغت 90.5%.
وعند جمع نتائج البلدان المختلفة، ظهرت الأنواع السبعة من التأثيرات التي اختبرها الباحثون.
ومع ذلك، كانت التأثيرات في الدراسة الجديدة أضعف عمومًا مما سجلته التجارب الأصلية، كما اختلفت قوتها بين البلدان. وظهر تأثير فقدان تذكرة الفعالية بوضوح في 15 دولة من أصل 21 دولة مشاركة.
ولا تعني هذه النتائج أن تقسيم الميزانية إلى فئات غير مفيد؛ فتخصيص مبالغ للإيجار والطعام والادخار والترفيه قد يساعد على تنظيم النفقات والحد من تجاوز الميزانية.
لكن المشكلة تظهر عندما تؤدي هذه التصنيفات إلى تقييمات مختلفة لمبالغ متساوية، دون مبرر مالي فعلي.
هل ترتبط المحاسبة الذهنية بالدخل والتعليم؟
بحثت الدراسة أيضًا في العلاقة بين قوة تأثيرات المحاسبة الذهنية وبعض الخصائص الشخصية والاقتصادية، بما في ذلك العمر والتعليم ودخل الأسرة والمعرفة الأساسية بالشؤون المالية.
ولم يجد الباحثون أن هذه العوامل تتنبأ بوضوح بزيادة التأثيرات أو انخفاضها.
وعند المقارنة بين البلدان، لاحظ الفريق أن تأثيرات المحاسبة الذهنية تميل إلى أن تكون أقوى في الدول الأكثر ثراءً، وفقًا لمؤشرات النشاط الاقتصادي.
لكن هذه العلاقة استقرت تقريبًا عند مستوى يبلغ 50 ألف دولار من الناتج الاقتصادي السنوي للفرد.
ولا تثبت هذه النتيجة أن الثراء يؤدي إلى زيادة المحاسبة الذهنية؛ إذ قد تتداخل عوامل اقتصادية واجتماعية أخرى لم يقسها المسح.
كما أن الناتج الاقتصادي للفرد لا يعادل دخل الفرد الفعلي، ولا يعكس بالضرورة مستوى معيشة كل شخص داخل الدولة.
لماذا لا يمكن التنبؤ بكل قرارات الإنفاق؟
أظهرت النتائج أن الشخص الذي يُبدي تأثيرًا قويًا للمحاسبة الذهنية في موقف معين لا يُظهر بالضرورة التأثير نفسه في موقف آخر.
وهذا يعني أن المحاسبة الذهنية ليست عادة واحدة بسيطة يمكن استخدامها للتنبؤ بجميع قرارات الإنفاق، بل تتغير مظاهرها وفقًا لطبيعة الموقف والسياق الذي يتخذ فيه الشخص قراره.
وعلى مستوى المقارنة بين الدول، ظهرت أنماط أوضح في بعض العلاقات بين التجارب، وبدت مرتبطة بعوامل مثل مشاركة أشخاص آخرين في الموقف، وما إذا كان الفرد يقيم وضعه الشخصي أو وضع شخص آخر، وما إذا كان السعر محددًا مسبقًا أو مطروحًا للمقارنة.
وتشير هذه النتائج إلى ضرورة فهم السياق الذي يتخذ فيه المستهلك قراره، بدلًا من افتراض أن جميع الأشخاص يتعاملون مع المال بالطريقة نفسها في كل المواقف.
كيف تؤثر المواعيد النهائية في الإنفاق على الرعاية الصحية؟
طرح روجيري مثالًا يتعلق بحسابات الإنفاق المرنة (Flexible Spending Accounts – FSAs)، وهي حسابات تُخصص فيها أموال لبعض النفقات الصحية وفقًا لشروط النظام المعمول به.
وأوضح أن الشخص قد يحتاج إلى شراء نظارات أو أدوية في يوليو، لكن تأجيل الشراء إلى ديسمبر قد لا يكون الخيار الأمثل، خصوصًا إذا كانت هناك مواعيد نهائية لاستخدام الأموال المخصصة لهذه النفقات.
وأشار إلى أن بعض المتاجر قد تستغل اقتراب المواعيد النهائية لرفع أسعار المنتجات المؤهلة للاستفادة من هذه الحسابات، بما قد يدفع المستهلك إلى إنفاق المزيد.
ووفقًا للمثال الذي قدمه الباحث، قد ينظر الشخص إلى مبلغ قدره عشرة دولارات في بداية العام باعتباره مدخرات ينبغي عدم المساس بها، ثم يراه في نهاية العام أموالًا يجب إنفاقها قبل انتهاء المهلة.
لكن هذا المثال التوضيحي لم يكن جزءًا من الاختبارات التي أجراها المسح، وإنما استخدمه الباحث لشرح كيفية تغير إدراك قيمة الأموال المخصصة لغرض معين مع اقتراب موعد نهائي لاستخدامها.
حدود الدراسة وما الذي تعنيه للمستهلكين؟
اعتمدت الدراسة على اختيارات افتراضية، ولم تتتبع عمليات الشراء الفعلية للمشاركين من خلال حساباتهم المصرفية. كما جرى استقطاب المشاركين في الغالب عبر الإنترنت، ولذلك لا تمثل العينة بالضرورة جميع شرائح السكان في كل دولة.
كذلك، تعرض المشاركون لنسخ مختلفة من السيناريوهات نفسها، وهو ما قد يؤثر في إجاباتهم اللاحقة. ومع ذلك، أظهرت اختبارات اعتمدت على أول نسخة شاهدها المشاركون استمرار التأثيرات الثلاثة التي أمكن اختبارها بهذه الطريقة.
وتساعد النتائج على تفسير سبب شعور الإنسان بأن تكلفة معينة مقبولة في موقف، ومبالغ فيها أو غير مبررة في موقف آخر، رغم ثبات قيمتها المالية.
لكن الاستفادة من هذه المعرفة في تصميم الأدوات المالية أو تحسين قرارات الإنفاق تتطلب إجراء اختبارات إضافية في المجتمعات المستهدفة، بدلًا من افتراض أن النتائج ستنطبق بالطريقة نفسها على جميع المستهلكين.
