غزل المحلة تدخل عصرًا جديدًا.. الحكومة تعتمد تأسيس شركة مستقلة تمهيدًا للتحول إلى ذراع استثمارية

كيان جديد يضم الأصول والمصانع المطورة.. وخطة معلنة لقيد الشركة وطرح جزء من أسهمها في البورصة خلال 2026-2027

كتب مصطفى شعبان

في خطوة جديدة لإعادة هيكلة واحدة من أعرق القلاع الصناعية في مصر، اعتمد مجلس الوزراء، خلال اجتماعه اليوم الخميس، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، تأسيس شركة «غزل المحلة الجديدة للغزل والنسيج»، كشركة منقسمة من شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، في إطار خطة الدولة لتطوير صناعة الغزل والنسيج وتغيير نمط الإدارة ورفع كفاءة الأصول الصناعية.

ويستهدف الكيان الجديد ممارسة أنشطة صناعة الغزل والنسيج والملابس والتجهيز، والتجارة في المنتجات والأقطان داخل مصر وخارجها، بما يفتح المجال أمام نموذج إداري واستثماري أكثر مرونة، ويعزز قدرة الشركة على المنافسة محليًا وخارجيًا.

ليست شركة جديدة فقط.. بل إعادة رسم لخريطة غزل المحلة

ويأتي القرار في إطار عملية إعادة هيكلة أوسع لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، تستهدف فصل الأصول والمصانع التي جرى تطويرها ضمن المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج في كيان مستقل.

وكان رئيس شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى قد أعلن في يوليو الماضي أن الشركة الجديدة ستضم 8 مصانع جرى تطويرها، إلى جانب البنية التحتية ومحطة المحولات الكهربائية، وأنها ستعمل كذراع استثمارية للمجموعة بهدف جذب استثمارات جديدة وزيادة مرونة الإدارة.

وتأتي الخطوة بعد ضخ استثمارات كبيرة في مشروع تطوير غزل المحلة؛ إذ أعلنت إدارة الشركة أن حجم الاستثمارات بلغ نحو 24 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 490 مليون دولار، وشملت إنشاء 6 مصانع جديدة بالكامل وتطوير مصنعين قائمين، إلى جانب أعمال البنية التحتية ومحطة محولات كهربائية جديدة.

الحكومة تعتمد تأسيس «غزل المحلة الجديدة» ككيان مستقل

«غزل 1».. مصنع ضخم يدخل قلب الكيان الجديد

وتضم منظومة المصانع المطورة مصنع «غزل 1»، الذي يمثل أحد أبرز مشروعات تطوير صناعة الغزل في مصر، ويُعد من أكبر مصانع الغزل في العالم من حيث حجم الطاقة الإنتاجية والتجهيزات الموجودة تحت سقف واحد.

وتستهدف خطة التطوير إعادة غزل المحلة إلى موقعها كمركز رئيسي لصناعة الغزل والنسيج، مع الاعتماد على معدات حديثة ورفع جودة الإنتاج والاستفادة من القطن المصري، خاصة طويل التيلة، وزيادة القدرة على إنتاج خيوط وأقمشة ذات قيمة مضافة أعلى.

ولا تقتصر عملية التطوير على مصانع الغزل، وإنما تمتد إلى مراحل لاحقة من سلسلة الإنتاج، بما يسمح بتكوين منظومة صناعية أكثر تكاملًا من القطن الخام إلى الغزل والنسيج والتجهيز والملابس.

لماذا قسمت الحكومة الشركة؟

الهدف الأساسي من التقسيم هو فصل الأصول المطورة في كيان قادر على العمل بنمط إداري واستثماري أكثر مرونة.

وتشير التصريحات السابقة لإدارة الشركة إلى أن «غزل المحلة الجديدة» ستعمل كذراع استثمارية للمجموعة، بما يساعد على جذب استثمارات جديدة وزيادة كفاءة الإدارة والتشغيل.

وهذا يعني أن الحكومة تنتقل تدريجيًا من مرحلة ضخ الاستثمارات في المصانع إلى مرحلة مختلفة عنوانها: التشغيل، وتحقيق العائد، وجذب رأس المال، وزيادة الصادرات.

القطن المصري

خطوة على طريق البورصة

وتحمل عملية تأسيس الشركة الجديدة بُعدًا استثماريًا مهمًا؛ إذ سبق أن أعلنت إدارة شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى اعتزامها قيد «غزل المحلة الجديدة» وطرح جزء من أسهمها في البورصة المصرية خلال العام المالي 2026-2027.

وكانت الخطة المعلنة تتضمن استكمال إجراءات تأسيس الشركة، تمهيدًا لقيد مؤقت في البورصة خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، مع الاحتفاظ بملكية الشركة الجديدة في البداية تقريبًا بالكامل من جانب شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة، باستثناء أسهم محدودة وفق المتطلبات القانونية.

وبالتالي، فإن قرار مجلس الوزراء اليوم يمثل حلقة تنفيذية مهمة في مسار سبق الإعلان عنه، وليس إعلانًا منفردًا عن طرح الشركة للبيع أو خصخصتها.

ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟

إذا اكتملت خطة القيد والطرح، فإن «غزل المحلة الجديدة» ستكون أمام نموذج مختلف عن الشركات الحكومية التقليدية، إذ يمكن أن تتحول إلى منصة لجذب رأس المال الخاص والاستثمارات الاستراتيجية، مع إمكانية الاستفادة من سوق المال في تمويل التوسع بدل الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي.

كما يمكن للطرح أن يوفر آلية لقياس أداء الكيان الجديد وفق مؤشرات أكثر وضوحًا، مثل:

من القطن المصري إلى المنتج النهائي

ولا تستهدف خطة التطوير مجرد زيادة إنتاج الخيوط، فالهدف الأوسع هو تعظيم القيمة المضافة للقطن المصري من خلال تطوير مراحل الصناعة المختلفة، بما يسمح بتحويل القطن إلى خيوط وأقمشة ومنتجات ملابس وتجهيزات نهائية قابلة للتصدير.

وهذا التحول مهم بالنسبة لصناعة الغزل والنسيج المصرية؛ لأن تصدير المنتج النهائي يحقق قيمة اقتصادية أعلى من تصدير القطن أو الغزل وحدهما.

ومن هنا يأتي تضمين نشاط التجارة في المنتجات والأقطان داخل مصر وخارجها ضمن أغراض الشركة الجديدة، بما يمنحها مساحة أوسع للتعامل مع الأسواق المحلية والعالمية.

القطن المصري

«غزل المحلة».. قلعة صناعية تستعد لمئويتها

وتحمل عملية إعادة الهيكلة أهمية خاصة بسبب المكانة التاريخية لشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، التي تأسست عام 1927، وتمتد على مساحة تقارب 600 فدان ويعمل بها نحو 13 ألف عامل وفق تصريحات رئيس الشركة السابقة.

وتستعد الشركة للاحتفال بمرور 100 عام على تأسيسها في 2027، ما يجعل عملية إعادة الهيكلة الحالية نقطة تحول في تاريخ القلعة الصناعية التي ارتبط اسمها لعقود بصناعة الغزل والنسيج والقطن في مصر.

لماذا تحتاج غزل المحلة إلى نموذج إدارة جديد؟

التحدي الحقيقي الآن لم يعد في بناء المصانع فقط، فالدولة أنفقت مليارات الجنيهات لتحديث البنية الإنتاجية، وأصبح الاختبار الأصعب هو تحويل هذه الاستثمارات إلى إنتاج فعلي وصادرات وأرباح.

وتحتاج الشركة الجديدة إلى تحقيق معدلات تشغيل مرتفعة، وخفض تكاليف الإنتاج، وتأمين احتياجاتها من القطن والخامات، وفتح أسواق تصديرية، وتطوير المنتجات، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب إدارة تجارية تستطيع التعامل مع تقلبات أسعار الطاقة والخامات وأسعار الصرف والأسواق العالمية.

ولهذا فإن عبارة «تغيير نمط الإدارة» الواردة في قرار مجلس الوزراء تحمل أهمية كبيرة؛ لأنها تشير إلى محاولة الانتقال من نموذج الإدارة التقليدية للشركات الحكومية إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الكفاءة والنتائج والاستثمار.

هل يعني ذلك بيع غزل المحلة؟

لا، قرار مجلس الوزراء المنشور اليوم لا ينص على بيع الشركة أو خصخصتها، المعلن هو تأسيس شركة منقسمة في إطار إعادة الهيكلة.

لكن توجد بالفعل خطة معلنة سابقًا لقيد الشركة الجديدة وطرح جزء من أسهمها في البورصة، وهو ما يجعل القرار خطوة مهمة باتجاه توسيع مشاركة القطاع الخاص ورأس المال السوقي في مستقبل الشركة.

ومن ثم فإن الأدق وصف الخطوة بأنها إعادة هيكلة وتمهيد لطرح محتمل، وليس «بيع غزل المحلة».

المعركة الحقيقية تبدأ بعد التأسيس

تأسيس «غزل المحلة الجديدة» يمثل نهاية مرحلة وبداية أخرى، فالمرحلة السابقة كانت عنوانها بناء المصانع وتحديث المعدات وضخ الاستثمارات، أما المرحلة المقبلة فسيكون عنوانها:

كم ستنتج الشركة؟ كم ستصدر؟ كم ستربح؟ وهل تستطيع جذب مستثمرين جدد؟

وهنا سيكون نجاح التجربة مرتبطًا بقدرة الإدارة الجديدة على استغلال الأصول الحديثة، وتحويل القطن المصري إلى منتجات ذات قيمة مضافة، واستعادة مكانة المحلة في الأسواق العالمية.

فبعد أن أنفقت الدولة مليارات الجنيهات لإعادة بناء القلعة الصناعية، يأتي الآن الاختبار الأصعب:

هل تستطيع «غزل المحلة الجديدة» تحويل المصانع العملاقة إلى صناعة رابحة وتنافسية، أم تبقى عملية التطوير مجرد استثمار ضخم يحتاج إلى سنوات أطول حتى يستعيد عائده؟

هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه مرحلة التشغيل والإدارة والاستثمار المقبلة.

Exit mobile version