غزة بعد 3 سنوات من الحرب.. 74 ألف شهيد و175 ألف مصاب ودمار طال الصحة والتعليم والغذاء

بعد ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في غزة، تبدو حصيلة الحرب ثقيلة على نحو غير مسبوق، إذ تجاوز عدد الشهداء 74 ألفًا حتى 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بينهم نحو 21 ألفًا و600 طفل، وفق اليونيسيف، وأكثر من 12 ألفًا و500 امرأة وفتاة، فيما تجاوز عدد المصابين 175 ألفًا، بينهم آلاف يعانون إعاقات دائمة، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

وتشير بيانات الدفاع المدني في غزة إلى وجود أكثر من 8 آلاف شهيد لا يزالون تحت الأنقاض، في وقت تقول تقديرات أممية إن 82% من مباني القطاع تعرضت للضرر أو الدمار.

كما أشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى محو أكثر من 2700 أسرة فلسطينية بالكامل من السجل المدني.

ولم تكن الأرقام وحدها هي التي كشفت حجم الكارثة، إذ ارتبطت الحرب بسلسلة من الهجمات التي خلّفت أعدادًا كبيرة من الضحايا، بينها قصف المستشفى المعمداني في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومخيم جباليا، ومواصي خان يونس، ومدرسة التابعين في حي الدرج بمدينة غزة، إضافة إلى أحداث دامية أخرى.

كما أثارت قضية قتل المسعفين وأفراد الدفاع المدني، واستهداف الطواقم الطبية، وقضية الطفلة هند رجب وأسرتها وطاقم الهلال الأحمر الذي توجه لإنقاذها، اهتمامًا دوليًا واسعًا.

القصف الإسرائيلي الغاشم قطاع غزة

المستشفيات.. من ملاذ للمرضى إلى ساحات حرب

كان القطاع الصحي أحد أكثر القطاعات تضررًا. وبحسب منظمة الصحة العالمية، تضررت أو دُمرت 94% على الأقل من مستشفيات غزة ومنشآتها الطبية، فيما أدت الأضرار ونقص الوقود والأدوية والمستلزمات إلى تراجع القدرة على تقديم الرعاية الصحية.

ويصف مدير الإغاثة الطبية في مدينة غزة، الدكتور محمد أبو عفش، الواقع الصحي بأنه “صعب جدًا”، مشيرًا إلى أن القطاع يعاني عجزًا في الأدوية يتجاوز 60%، وعجزًا في المحاليل المخبرية يتجاوز 80%، إلى جانب نقص حاد في الأطباء والمتخصصين.

ولا تقتصر المشكلة على الأدوية، فالمستشفيات تحتاج إلى أجهزة طبية وقطع غيار وصيانة لمعدات ما زالت تعمل في ظروف استثنائية، بينما تواجه عملية إدخال هذه الاحتياجات قيودًا شديدة.

المستشفيات في غزة خرجت من الخدمة

وتحول العاملون في القطاع الصحي أنفسهم إلى ضحايا للحرب؛ فقد أورد التقرير حالات أطباء ومسعفين تعرضوا للاعتقال أو القتل، من بينهم الطبيب عدنان البرش والطبيب إياد الرنتيسي، فيما اعتُقل طبيب الأطفال حسام أبو صفية بعد اقتحام مستشفى كمال عدوان.

وبين الركام ونقص الإمكانات، استمر العاملون الصحيون في تقديم الخدمات بما هو متاح، في محاولة للحفاظ على منظومة صحية تكاد تكون منهارة.

الغذاء.. الحصار يطارد الجوع

انعدام الأمن الغذائي في غزة

لم يكن الغذاء بمنأى عن تداعيات الحرب. فمع إغلاق المعابر وقيود دخول المساعدات وتدمير أجزاء من البنية الزراعية، فقد الفلسطينيون كثيرًا من مقومات إنتاج غذائهم بأنفسهم.

وتقول المقررة الأممية المعنية بالحق في الغذاء، صوفيا مونسالفي سواريز، إن الوضع الغذائي في غزة “مقلق للغاية” و”غير مقبول”، مشيرة إلى أن الوصول الإنساني لا يزال مقيدًا، وأن معبر كرم أبو سالم هو المعبر الذي يسمح بمرور المساعدات، وفق المعطيات التي عرضتها.

وتشير إلى تراجع عدد الشاحنات التي تدخل القطاع، إلى جانب نقص الوقود والمياه ومواد الإيواء، وعدم قدرة السكان على العودة إلى الزراعة أو صيد الأسماك أو توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي.

وفي أغسطس/آب 2025، أكد التصنيف الدولي للأمن الغذائي وقوع مجاعة في محافظة غزة، بحسب التقرير.

وكانت مجزرة الطحين عند دوار النابلسي في فبراير/شباط 2024 إحدى أكثر الوقائع دموية المرتبطة بمحاولات الحصول على الغذاء، فيما تحولت مراكز توزيع المساعدات لاحقًا إلى أماكن شهدت سقوط ضحايا، وفق ما أورده التقرير.

وتحذر المقررة الأممية من إمكانية تفاقم الأزمة مجددًا، داعية إلى إدخال المساعدات بصورة حرة، والسماح بدخول المياه والمواد الصحية والبذور والأسمدة والمواشي، بما يساعد سكان القطاع على استعادة قدر من القدرة على إنتاج غذائهم.

شهداء غزة

ثلاث سنوات بلا تعليم طبيعي

وكما انهارت أجزاء واسعة من القطاع الصحي، أُصيبت المنظومة التعليمية بضرر بالغ. ويصف محمد أبو جاسر، نائب رئيس اتحاد المعلمين في غزة، ما جرى بأنه “إبادة تعليمية”، مشيرًا إلى أن 97% من البنية التحتية التعليمية تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي، بينما استشهد آلاف الطلاب ومئات العاملين في التعليم.

أما المدارس التي بقيت قائمة، فتحول بعضها إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما عاد الطلاب لاحقًا إلى التعليم الوجاهي في خيام بدلًا من الأبنية المدرسية.

لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالمكان؛ فالطلاب فقدوا جزءًا كبيرًا من مهاراتهم الأساسية في القراءة والكتابة والتعلم، فضلًا عن الآثار النفسية والاجتماعية التي خلّفتها سنوات الحرب.

ويؤكد أبو جاسر أن ما يسمى “الفاقد التعليمي” ليس مجرد دروس وكتب لم يتلقها الطالب، وإنما فقدان لمهارات أساسية تحتاج استعادتها إلى برنامج وطني وتربوي واسع وخطط مدروسة.

وتزداد صعوبة المهمة مع ظروف المعلمين أنفسهم، الذين يعيشون بدورهم أزمات اقتصادية ونفسية واجتماعية، في وقت يحتاج فيه الطلاب إلى دعم نفسي واجتماعي إلى جانب التعليم.

الحرب تمتد خارج غزة

لم تُبقِ الحرب آثارها داخل حدود القطاع. ففي اليوم التالي لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، بدأ تبادل إطلاق النار مع حزب الله على الحدود اللبنانية، قبل أن تتوسع المواجهة لاحقًا إلى لبنان عبر الغارات والاغتيالات والاجتياحات.

وفي الضفة الغربية، تصاعدت الاقتحامات وعمليات هدم المنازل والتهجير، لتصبح الحرب جزءًا من مشهد إقليمي أوسع. ومع اتساع دائرة المواجهة، تحولت غزة إلى مركز لصراع تتقاطع فيه الحسابات الفلسطينية والإسرائيلية والإقليمية والدولية، بينما بقيت الجبهات الأخرى مفتوحة بدرجات متفاوتة.

غزة بين الركام

وعلى مدار السنوات الثلاث، جرت محاولات متعددة لوقف القتال، وتحققت هدن وعمليات تبادل للأسرى والمحتجزين، لكن الطريق إلى وقف دائم للحرب ظل متعثرًا. وفي مطلع عام 2025 توقف القتال لفترة، قبل أن تستأنف إسرائيل غاراتها في 18 مارس/آذار، وتعود العمليات العسكرية إلى مناطق مختلفة من القطاع، بالتزامن مع استمرار المفاوضات.

ثم جاء وقف جديد لإطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، انسحبت بموجبه القوات الإسرائيلية جزئيًا إلى ما عُرف بالخط الأصفر، مع بقائها في نحو 53% من مساحة القطاع، وفق المعطيات الواردة في التقرير.

خريطة الانتشار العسكري في غزة

لكن وقف إطلاق النار لم يُنهِ واقع الاحتلال أو القصف بصورة كاملة؛ إذ تحركت العلامات الصفراء أعمق داخل غزة، وظهرت خرائط بخطوط جديدة تحيط بمناطق مقيدة، فيما أشارت تقديرات إلى اتساع المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى أكثر من 60%. ومع كل تقدم كانت موجات نزوح جديدة تبدأ، بينما تبتعد عودة السكان إلى منازلهم وأراضيهم.

وبحسب الحصيلة الواردة في التقرير، استشهد نحو 1470 فلسطينيًا منذ إعلان وقف إطلاق النار، في وقت بقي دخول المساعدات والأدوية ومواد الإيواء والإعمار خاضعًا لقيود الاحتلال.

النزوح في غزة

غزة بين الركام والمستقبل المعلق

إعادة إعمار غزة

بعد ثلاث سنوات، لا تبدو الحرب مجرد سلسلة من العمليات العسكرية المتعاقبة، بل واقعًا جديدًا أعاد تشكيل حياة أكثر من مليوني فلسطيني.

مئات الآلاف يعيشون في الخيام، والمرضى ينتظرون العلاج، والمدارس تحتاج إلى إعادة بناء، والمستشفيات تحتاج إلى المعدات، فيما تضررت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والبنية التحتية.

وفي الوقت نفسه، يبقى مستقبل إدارة القطاع وإعادة إعماره غير محسوم، ويشير تقرير إلى تعثر الوعود المتعلقة بالإدارة الانتقالية والإعمار، وعدم حسم ملف الانسحاب، إلى جانب استمرار الانقسام بين الأطراف المختلفة التي تتحرك داخل القطاع.

ورغم ذلك، يتمسك الفلسطينيون بإمكانية استعادة الحياة. ففي القطاع الصحي، يرى الدكتور محمد أبو عفش أن توفر الإمدادات والإمكانات يمكن أن يفتح الطريق أمام التعافي، مؤكدًا أن الإرادة الفلسطينية لم تتوقف رغم تدمير المنشآت.

خيام نازحين غارقة بمياه الأمطار في قطاع غزة 

وفي التعليم، تبدو الأولوية في الوقت الراهن لما يسميه المعلمون “الإسعاف التعليمي”، وهي مرحلة تسبق التعافي الكامل، وتستهدف إعادة الطالب والمعلم والمدرسة إلى الحد الأدنى من القدرة على العمل، قبل الانتقال إلى إعادة بناء المنظومة التعليمية.

أما على المستوى الغذائي، فتربط المقررة الأممية إمكانية تجنب أزمة جديدة بفتح المجال أمام المساعدات، واستعادة الفلسطينيين قدرتهم على الزراعة وصيد الأسماك والإنتاج المحلي.

↑
Exit mobile version