كشفت دراسة نُشرت في مجلة Environmental Science & Technology أن المادة الكيميائية السامة المعروفة باسم «PFOS» ، إحدى ما يُعرف بـ«الكيماويات الأبدية»، يمكن أن تتراكم في مستعمرات نحل العسل المعرضة لها، وأن تنتقل إلى العسل، بما يهدد بقاء الملقحات والأمن الغذائي، وربما صحة الإنسان.
وأجرى الدراسة باحثون من University of New England، حيث راقبوا تأثير التعرض المزمن لمستويات منخفضة وغير مميتة من PFOS على مستعمرات نحل العسل الأوروبي.
وأظهرت النتائج أن التعرض المطوّل لمستويات بيئية من هذه المادة أدى إلى تغيّر في التعبير عن بعض البروتينات الأساسية المسؤولة عن وظائف الخلايا لدى النحل.
كيف يؤثر PFOS على صحة النحل؟
قالت الدكتورة كارولين سونتر من الجامعة، التي قادت الدراسة تحت إشراف عدد من الأساتذة والباحثين: «تم الكشف عن PFOS في أنسجة الجيل الجديد من النحل اليافع، وقد أظهر هذا الجيل وزنًا أقل مقارنةً بنحل المجموعة الضابطة غير المعرضة للمادة».
وأضافت أن انخفاض الوزن يعني نحلًا أصغر حجمًا وغددًا أصغر، بما في ذلك الغدة البلعومية التي تنتج الغذاء الملكي لتغذية الجيل التالي من النحل.
ويُعد الغذاء الملكي سائلًا غنيًا بالعناصر الغذائية يُستخدم لتغذية اليرقات، وإذا تراجعت جودته، فإن الأجيال اللاحقة تتأثر سلبًا، ما يضعف صحة المستعمرة ويقلل من عمرها.
وعلى نطاق أوسع، قد يؤدي ذلك إلى تراجع تدريجي في أعداد النحل، وانعكاسات سلبية على تلقيح المحاصيل الزراعية.
وأكدت الباحثة أن «أي تهديد للنحل هو تهديد للأمن الغذائي»، مشيرةً إلى أن معظم المحاصيل الزراعية تعتمد على النحل في عملية التلقيح، وأن غيابه سيؤدي إلى انخفاض حاد في إنتاج الفواكه والتوت ومعظم الخضروات، فضلًا عن تراجع التنوع الغذائي والقيمة التغذوية للنظام الغذائي.
إرث PFOS ومصادره
يرمز PFOS إلى «بيرفلورو أوكتان سلفونات»، وهو أحد آلاف مركبات PFAS المعروفة باسم «الكيماويات الأبدية» نظرًا لصعوبة تحللها في البيئة.
وطُوّر PFOS في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان يُستخدم حتى أوائل الألفية الجديدة في منتجات صناعية واستهلاكية، وكذلك في الرغوة المائية لتشكيل طبقة عازلة تُستخدم في إخماد الحرائق ذات درجات الحرارة العالية.
كما يُعد ناتجًا ثانويًا لتحلل مادة «سلفلوراميد» المستخدمة في بعض المناطق لمكافحة النمل القاطع للأوراق في أنظمة الزراعة الحراجية.
وقد يتعرض النحل لهذه المادة عبر الغبار والمياه الملوثة، وطلاء خلايا النحل، ومنتجات حماية المحاصيل، وكذلك من خلال حبوب اللقاح للنباتات التي تنمو في تربة أو مياه ملوثة.
ورغم أن استخدام PFOS لم يعد مسموحًا به في أستراليا، فإن التلوث المتبقي من الاستخدامات السابقة، إلى جانب مركبات ذات صلة، لا يزال يشكل خطرًا على نحل العسل.
وأوضحت الباحثة أن «إرث PFOS دائم، على الأقل خلال حياتنا»، مشيرةً إلى أن من بين سبل تقليل مخاطر PFAS على النحل في المنازل تجنب استخدام منتجات حماية المحاصيل التي تحتوي على هذه المركبات في الحدائق، إذ إن كثيرًا منها يحتوي عليها بالفعل.
خطوات البحث المقبلة
ورغم أن الدراسة أكدت انتقال PFOS إلى النحل والعسل في ظروف مخبرية محكومة، فإن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم كيفية امتصاص النباتات لهذه المركبات وانتقالها إلى رحيق الأزهار.
ويسعى الفريق البحثي إلى تحديد مسارات تعرض النحل لهذه المواد في البيئات الطبيعية، إذ إن انتقال PFAS إلى رحيق الأزهار قد يحمل تداعيات أوسع على جميع الملقحات وعلى مستهلكي العسل.
وأكدت الباحثة أن النتائج تمثل أساسًا علميًا مهمًا لوضع إرشادات وقائية لحماية النحل، لافتةً إلى أن التهديدات الناجمة عن الملوثات البيئية ما تزال غير مدروسة بما يكفي، رغم الأهمية الحيوية للنحل في النظم البيئية والزراعة.
