العقل قبل السلاح.. حين تتكلم الجغرافيا والقانون.. أسرار القوة التفاوضية المصرية
التفاوض ليس مجرد حوار بين أطراف متقابلة، ولا هو تبادل تنازلات محسوب بالورق والأقلام، بل هو في جوهره إدارة واعية لموازين القوة، وتوظيف ذكي لعناصر النفس والسياسة والتاريخ والقانون.
في هذا السياق، برزت المدرسة المصرية في التفاوض كإحدى أعرق المدارس في العلاقات الدولية، بعدما نجحت في الدمج بين شرعية السلاح، ودقة الوثيقة، وثبات القرار السياسي، في معادلة نادرة قلما توافرت لدولة نامية خارجة من صراعات وجودية.
منذ حرب أكتوبر وحتى أزمات الإقليم الراهنة، لم يكن التفاوض بالنسبة لمصر خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لمعركة السيادة، بأدوات مختلفة، لكن بعقلية واحدة: لا سلام بلا قوة، ولا تفاوض بلا خطوط حمراء.
أولًا: سيكولوجية الجسد في «كامب ديفيد»
عندما سبقت الإشاراتُ الكلمات
في مفاوضات «كامب ديفيد» عام 1978، لم تكن الطاولة الخشبية هي ساحة المعركة الحقيقية، بل كانت لغة الجسد إحدى أخطر أدوات الصراع الصامت، فالسادات وبيجن لم يتفاوضا فقط بالنصوص، بل بالصورة، والإيقاع، والنظرة، والصمت.
أنور السادات: كاريزما المنتصر
دخل السادات المفاوضات وهو يحمل في خلفيته شرعية أكتوبر، وهو ما انعكس بوضوح على حضوره الجسدي، جلسة مفتوحة، ظهر مستقيم، كتفان ثابتان، ونظرات مباشرة لا تعرف التردد، كان استخدامه للغليون أكثر من عادة شخصية؛ لقد تحوّل إلى أداة تفاوضية ذكية، تمنحه وقتًا للتفكير، وتربك الطرف المقابل، وتفرض إيقاعه الخاص على الجلسة.
رسالة السادات لم تكن خفية: »أنا رئيس دولة انتصرت، وأفاوض من موقع استرداد حق، لا من موقع طلب«.
مناحم بيجن: انغلاق الأيديولوجيا وقلق الأرض
على النقيض، عكست لغة جسد بيجن توترًا دائمًا. ميل مفرط للأمام، تشبيك الأصابع، تصلب الفك، وتقطيب الجبين، كلها إشارات إلى عقلية محاصرة بين ضغط التاريخ الصهيوني، وهاجس فقدان الأرض، وخوف الداخل الإسرائيلي من أي تنازل.
كان بيجن يفاوض وكأنه في قفص دفاعي، بينما كان السادات يفاوض من فضاء المبادرة والسيطرة النفسية.
ثانيًا: مدرسة السادات وكيسنجر
دبلوماسية «الصدمة ثم التفكيك»
أدار السادات مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر واحدة من أعقد عمليات التفاوض في القرن العشرين، مستخدمًا نموذجًا تفاوضيًا غير تقليدي، جمع بين الصدمة السياسية والتدرج المحسوب.
زيارة القدس: صدمة قلبت الطاولة
لم تكن زيارة السادات إلى القدس مجرد خطوة رمزية، بل كانت ضربة استراتيجية مدروسة، فقد أربكت الداخل الإسرائيلي، وكسرت احتكار المتشددين لخطاب الأمن، وفرضت على تل أبيب معادلة جديدة: إما السلام وفق شروط واقعية، أو الانكشاف أمام المجتمع الدولي كقوة رافضة للحل.
كانت الزيارة بمثابة كش ملك سياسي، أنهى مرحلة الجمود، وأعاد تعريف الصراع.
«الخطوة بخطوة»: تحويل النوايا إلى وقائع
بتوجيه من كيسنجر وحنكة السادات، جرى تفكيك الصراع إلى مراحل تنفيذية: اتفاقيات فض الاشتباك، ثم الانسحابات الجزئية، وصولًا إلى الانسحاب الكامل من سيناء.
وهنا تكمن عبقرية المدرسة المصرية: عدم القفز إلى النهاية، بل تحويل كل خطوة إلى حقيقة لا يمكن الرجوع عنها.
ثالثًا: طابا… معركة الوثيقة والنَفَس الطويل
حين انتصرت الخرائط على المماطلة
بعد انسحاب إسرائيل من سيناء عام 1982، حاولت تل أبيب الاحتفاظ بمنطقة طابا عبر التلاعب بعلامات الحدود، وهنا انتقلت مصر من تفاوض القادة إلى تفاوض الدولة العميقة.
سلاح الوثائق لا يقل قوة عن السلاح
شكّلت مصر لجنة قومية ضمت كبار خبراء القانون الدولي والجغرافيا والتاريخ العسكري، لم تعتمد على الشعارات، بل على خرائط عثمانية، ووثائق دولية، وصور جوية، وشهادات رسمية موثقة.
كانت المعركة باردة، لكنها شديدة القسوة، واستلزمت أعصابًا فولاذية.
التحكيم الدولي: انتصار العقل الهادئ
استمرت المعركة القانونية سنوات، حتى صدر الحكم عام 1989 بعودة طابا كاملة للسيادة المصرية، لحظة أثبتت أن التفاوض على شبر واحد من الأرض لا يقل قدسية عن التفاوض على الدولة نفسها.
رابعًا: الرئيس السيسي… من استرداد الأرض إلى حماية السيادة
تطور الأدوات وثبات الجوهر
في العصر الحديث، تتجلى عبقرية المفاوض المصري في قدرة الرئيس عبد الفتاح السيسي على الدمج بين القوة الرادعة والدبلوماسية الاستباقية.
فإذا كان السادات قد خاض معركة استرداد الأرض، فإن السيسي يخوض معركة حماية الدولة ومنع تفكيك الإقليم.
رفض التهجير: تفاوض باسم الهوية
في ملف رفض تهجير الفلسطينيين، لم تدافع مصر فقط عن حدودها، بل عن فكرة الدولة الوطنية في الإقليم، تحوّل الموقف المصري من طرح سياسي إلى خط أحمر مدعوم بإجماع دولي.
لغة جسد السيسي عكست حزمًا مباشرًا، ووضوحًا لا يقبل التأويل، ورسالة مفادها: »هذه ليست ورقة تفاوض… هذه مسألة وجو ، وهكذا انتقلت المدرسة المصرية من استعادة الأرض إلى منع تصفية القضايا.
خاتمة: مدرسة لا تخسر
التاريخ يشهد أن مصر لم تخسر معركة تفاوضية واحدة خاضتها بكرامة، لأنها تفاوض دائمًا بعقل الخبير وقلب المقاتل.
من السادات إلى السيسي، تتغير الأدوات، لكن الثوابت واحدة: إرادة لا تُقَسَّم، وسيادة لا تُساوَم.
علّمتنا طابا أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالب، وعلّمتنا الأزمات الراهنة أن القوة التي تحمي الحق هي الضمان الوحيد لاستمراره.
وغدًا لناظره قريب.. في قضايا كبرى، على رأسها إثيوبيا والكيان، وللحديث بقية.
