د.رفعت جبر: من خزائن يوسف إلى صوامع السيسي.. هل تستعيد مصر لقب سلة غلال العالم؟

عضو لجنة الثقافة العلمية والتفكير الابتكاري والذكاء الاصطناعي بالمجلس الأعلي للثقافة

منذ أن قال نبي الله يوسف عليه السلام: {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ}، ارتبط قدر مصر الجغرافي والروحي بأن تكون “صمام أمان” البشرية وقت الأزمات.

واليوم، يعيد التاريخ صياغة نفسه بأدوات القرن الحادي والعشرين؛ حيث يأتي التحرك الروسي الأخير لإنشاء “مركز إقليمي للحبوب والطاقة” في مصر ليؤكد أن “قدر مصر” لا يزال ساريًا، وأن دورها كخزان استراتيجي للعالم ليس مجرد إرث، بل هو واقع يُبنى بالرؤية السياسية والخرسانة المسلحة.

أولًا: بنية تحتية برؤية رئاسية.. كيف مُهّد الطريق؟

لم يكن عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وليد الصدفة، بل هو اعتراف صريح بنجاح الدولة المصرية في بناء “قاعدة ارتكاز” صلبة.

لقد كان دور الرئيس عبد الفتاح السيسي بمثابة “التمهيد اللوجستي” لهذا التحول العالمي، عبر ثلاثة محاور:

• ثورة الصوامع الرقمية: قاد الرئيس مشروعًا قوميًا نقل سعة تخزين الحبوب من “الشون الترابية” المتهالكة إلى صوامع ذكية، رافعاً القدرة التخزينية إلى نحو 4 ملايين طن، وهي “الأوعية” الجاهزة الآن لاستقبال فائض القمح العالمي.

• الموانئ وقناة السويس البرية: تطوير موانئ شرق بورسعيد ودمياط والإسكندرية، وربطها بالقطار الكهربائي السريع، جعل من مصر “رصيفًا عالميًا” قادراً على إعادة تصدير القمح لعمق أفريقيا والشرق الأوسط بسرعة قياسية.

• دبلوماسية التوازن السيادي: حولت القيادة المصرية علاقتها مع روسيا من علاقة “زبون” إلى “شريك لوجستي”، مما جعل مصر الرقم الصعب في معادلة الغذاء الدولية.

ثانيًا: مصر “الوسيط النزيه”.. أمان للإنسانية والقارة السمراء

إن اختيار مصر لتكون مركزاً عالمياً للغذاء يعكس إيماناً دولياً بقدرتها على لعب دور “إدارة الاستقرار لا الاستغلال”.

فمصر اليوم لا تستخدم الغذاء كأداة ضغط سياسي، بل تقدم حلولاً لفقراء القارة الأفريقية؛ فبفضل قناة السويس والموقع العبقري، تمثل مصر الطريق الأقصر والأرخص لوصول رغيف الخبز لمليار أفريقي، مما يحول المركز المقترح من “مشروع تجاري” إلى “مهمة إنقاذ إنسانية”.

ثالثًا: التكامل مع “المربع الذهبي”.. تأمين الحلفاء

هذا المركز اللوجستي لا يخدم مصر وحدها، بل يمثل الركيزة الأساسية لأمن “المربع الذهبي” (مصر، السعودية، تركيا، باكستان).

فبتأمين مخزونات ضخمة من القمح الروسي على الأراضي المصرية، يتحصن هذا التحالف ضد أي تقلبات في سلاسل التوريد العالمية أو “سياسات التجويع” التي قد تفرضها الأقطاب المتصارعة، مما يمنح المربع استقلالًا قراريًا كاملًا.

رابعًا: تحالف “الخبز والنار”.. بورصة القاهرة العالمية

التوجيهات الروسية الأخيرة تشير إلى ولادة تحالف يربط بين (القمح الروسي) و(العبقرية اللوجستية المصرية).

هذا التحالف سيحول مصر إلى:

1. بورصة عالمية للحبوب: حيث تُدار المخزونات وتُحدد الأسعار من قلب القاهرة، لتصبح هي “بوصلة الغذاء” في المنطقة.

2. مركز طاقة وغذاء موحد: دمج تدفقات الغاز والحبوب في ملف واحد يُدار من غرفة عمليات مصرية، مما يجعل مصر حائط الصد الأول ضد الأزمات العالمية.

الخلاصة

إن اللقاء المرتقب بين الرئيسين السيسي وبوتين سيجيب على السؤال الكبير: هل يعود لقب “سلة غلال العالم” لمصر رسميًا؟

المؤشرات تؤكد أن مصر لم تعد تنتظر القدر، بل تصنعه برؤية قيادتها التي حولت “مخازن يوسف” التاريخية إلى “منصة لوجستية رقمية” تضمن الأمان للإنسانية، وتؤكد أن من أراد “أمانًا” للخبز والطاقة، فلييمم وجهه شطر القاهرة.

Exit mobile version