وثّق علماء الأحياء نوعًا جديدًا من الحشرات لم يكن معروفًا من قبل، أُطلق عليه اسم Tinodes lumbardhi، وهو يعيش في نطاق ضيق للغاية من المياه العذبة التي تتقلص سريعًا.
يعتمد بقاء هذا النوع على رقعة صغيرة من الموائل الطبيعية، تمثل الحد الأخير لما تبقى من أنظمة المياه العذبة السليمة في المنطقة.
اكتشاف في بقعة معزولة
تم العثور على الحشرة في مجرى جانبي ضيق لنهر جبلي في كوسوفو، الدولة الصغيرة غير الساحلية في جنوب شرق أوروبا. وُجد هذا النوع في موقع لا تزال فيه المياه باردة وسريعة الجريان، وسط تدهور بيئي واسع النطاق.
وفي هذا السياق، قام البروفيسور خليل إبراهيمـي من جامعة بريشتينا بتوثيق الحشرة كنوع مستقل من ذباب الكاديس (Caddisfly)، بعد تتبع وجودها في هذا الجزء المعزول من المجرى المائي.
وتشير البيانات إلى أن هذا النوع لا يعيش إلا في هذا الملجأ الصغير، دون أي دلائل على وجوده في المجرى الرئيسي للنهر أو في روافد قريبة، ما يجعله على حافة الانقراض.
الدراسة منشورة في مجلة Biodiversity Data Journal.
توصيف Tinodes lumbardhi
في دراسة علمية محكّمة، وثّق الفريق البحثي الخصائص الشكلية للحشرة بدقة سمحت بتسميتها رسميًا.
وقارن العلماء الذكور بأنواع قريبة، ولاحظوا اختلافات جوهرية في الأجزاء المسؤولة عن التزاوج، وهي سمات تُستخدم في تصنيف هذه الحشرات.
ولا يتجاوز طول جناحي الحشرة البالغة 5 ملليمترات، وهو حجم صغير جعلها تمر دون ملاحظة في المسوحات البيئية الواسعة.
وقد اختار الباحثون اسم Tinodes lumbardhi نسبة إلى الاسم الألباني للنهر الذي عُثر فيه عليها، في إشارة مباشرة إلى ارتباط النوع بمكانه الطبيعي.
ذباب الكاديس… مؤشر لصحة الأنهار
يُعد ذباب الكاديس من الحشرات التي تنمو يرقاتها تحت الماء، ولا تستطيع البقاء إلا في مجاري مائية باردة، مستقرة، وغنية بالأكسجين.
لذلك فإن وجود هذا النوع يُعد مؤشرًا حيًا على أن بعض أجزاء النهر ما زالت تحتفظ بصحة بيئية جيدة.
وتتنفس اليرقات عبر خياشيم، ما يجعلها شديدة الحساسية للرواسب، وانخفاض منسوب المياه، وارتفاع درجات الحرارة.
تأثير مشروعات الطاقة الكهرومائية
تؤدي مشروعات الطاقة الكهرومائية إلى تغيير مجرى الأنهار، من خلال سحب المياه إلى أنابيب، وترك مسافات طويلة من النهر ضحلة وسهلة التسخين.
كما يؤدي انخفاض التدفق إلى تقليل الأكسجين، وتراكم الطحالب والرواسب الدقيقة التي تخنق موائل الحشرات.
وحذّرت مراجعة علمية نُشرت عام 2021 من أن محطات الطاقة الكهرومائية الصغيرة قد تُلحق أضرارًا جسيمة بالحياة البرية في المناطق الجبلية.
اختفاء الحشرات يهدد السلسلة الغذائية
أفاد الباحثون بأن بعض مقاطع نهر لومباردهي إي ديتشانيت أصبحت خالية تمامًا من الأسماك.
وقد أدى إنشاء وتشغيل محطات الطاقة الكهرومائية إلى تدهور الموائل، وتراجع تنوع الحشرات في المجرى الرئيسي للنهر.
وتعتمد الأسماك على الحشرات المائية كمصدر غذاء أساسي، خاصة في مراحل النمو المبكرة، ومع اختفائها يصبح تعافي النظام البيئي عملية طويلة ومعقدة.
المجاري الجانبية… آخر الملاذات
تلعب المجاري الجانبية دورًا حاسمًا كملاذات أخيرة للكائنات النادرة عندما يتعرض المجرى الرئيسي للتدهور.
فالظل الكثيف يحافظ على برودة المياه، بينما توفر الأوراق المتساقطة والحجارة أماكن للاختباء والتغذية.
وأشار الفريق البحثي إلى أن أنواعًا نادرة من الحشرات لم تعد موجودة في الحوض المائي نفسه إلا في هذه القنوات الجانبية.
وسبق أن أدت أعمال شق الطرق إلى القضاء على نوع آخر متوطن من ذباب الكاديس، هو Rhyacophila siparantum، بعد تحويل مجرى مائي جارٍ إلى مياه راكدة.
تنوع حشري فريد في كوسوفو
تُعد منطقة بييشكيت إي نيمونا واحدة من أهم بؤر تنوع الحشرات المائية، حيث تُكتشف باستمرار أنواع لا تعيش في أي مكان آخر بالعالم.
وتؤدي الوديان الحادة إلى عزل المجاري المائية، ما يشجع على تطور أنواع متوطنة محدودة الانتشار.
وسبق للفريق نفسه أن وثّق نوعًا آخر يُعرف باسم Potamophylax coronavirus، مرتبط بهذه الجداول الجبلية.
أهمية الحماية
حظي الاكتشاف بتغطية إعلامية واسعة، وهو ما قد يسهم في دعم جهود الحماية البيئية.
ويمكن لإدارات المتنزهات وضع خطط حماية ومنع الأنشطة غير القانونية، إلا أن نجاح هذه الجهود يعتمد على الدعم المجتمعي.
وقال البروفيسور إبراهيمـي:
«يمثل اكتشاف Tinodes lumbardhi احتفالًا بالتراث الطبيعي الفريد لكوسوفو، وفي الوقت نفسه جرس إنذار عاجل للحفاظ عليه».
دروس من الاكتشاف
إن منح النوع اسمًا علميًا رسميًا يحوله من كائن مجهول إلى عنصر يمكن تتبعه وحمايته قانونيًا.
وتتيح عملية التصنيف العلمي إدراج النوع في برامج الرصد والتقييم البيئي.
ومن دون هذا التوثيق، قد تختفي الأنواع النادرة بصمت، دون أن يتمكن العلماء من إثبات ما فُقد.
ويربط هذا الاكتشاف بين صحة الأنهار في كوسوفو، وخيارات الطاقة، وقدرة الدولة على حماية تنوعها البيولوجي، ليصبح اختبارًا حقيقيًا داخل إحدى المناطق المحمية.
