مع تزايد حرائق الغابات حول العالم بالتزامن مع موجات الحر القياسية، يحذر خبراء الصحة من أن دخان الحرائق يمثل أحد أخطر أشكال تلوث الهواء، نظرًا لاحتوائه على غازات سامة وجسيمات دقيقة ومواد كيميائية قد تسبب أضرارًا صحية تمتد لسنوات بعد انتهاء الحرائق.
وتشهد مناطق واسعة في كندا والولايات المتحدة وأوروبا موجات من الدخان الكثيف الناتج عن حرائق الغابات، ما دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات صحية ودعوة السكان إلى تقليل الأنشطة الخارجية.
ماذا يحتوي دخان حرائق الغابات؟
يوضح الخبراء، أن دخان حرائق الغابات أكثر سمية من تلوث الهواء التقليدي، إذ لا يقتصر احتراقه على الأشجار والنباتات، بل يشمل أيضًا المركبات والمباني ومحتوياتها.
ولهذا يحتوي الدخان على خليط من الجسيمات الدقيقة، والغازات السامة، وآثار المعادن الثقيلة، والمواد البلاستيكية، والمركبات الكيميائية الصناعية، إضافة إلى التربة والمواد البيولوجية المحترقة.
كما يمكن أن يبقى هذا الدخان في الغلاف الجوي لأسابيع، وينتقل لمسافات تصل إلى آلاف الكيلومترات.
مخاطر صحية واسعة
أظهرت الدراسات، أن التعرض لدخان حرائق الغابات يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بالنوبات القلبية، والسكتات الدماغية، وتوقف القلب المفاجئ، فضلًا عن ارتفاع حالات الربو ومراجعات أقسام الطوارئ بسبب أمراض الجهاز التنفسي.
وأكد الباحثون، أن دخان الحرائق يسبب التهابات وتلفًا في الأنسجة بدرجة تفوق تلوث الهواء التقليدي.
كما ربطت دراسات حديثة التعرض للدخان بضعف الجهاز المناعي، وتراجع فرص التعافي بعد العمليات الجراحية، وظهور مشكلات في العين والجلد.
مخاطر على الحوامل والأطفال
وأشارت أبحاث إلى أن التعرض لدخان الحرائق أثناء الحمل يرتبط بزيادة احتمالات الإجهاض، وانخفاض وزن المواليد، والولادة المبكرة.
كما أظهرت دراسة في ولاية كاليفورنيا وجود تغيرات خلوية في المشيمة لدى النساء اللاتي تعرضن لدخان الحرائق خلال الثلثين الأول والثاني من الحمل، بينما أشارت دراسة أخرى إلى احتمال ارتفاع خطر تشخيص اضطراب طيف التوحد لدى الأطفال عند التعرض المكثف للدخان خلال الثلث الأخير من الحمل.
آثار تمتد لسنوات
ولا تتوقف التأثيرات الصحية عند انتهاء الحرائق، إذ كشفت دراسات أن معدلات الإصابة بأمراض القلب ظلت مرتفعة لمدة عامين ونصف بعد حريق منجم “هازلوود” في أستراليا عام 2014، بينما استمرت الأمراض التنفسية في الارتفاع لمدة خمس سنوات.
كما ربطت دراسة أمريكية نُشرت عام 2026 بين التعرض لدخان حرائق الغابات وزيادة مخاطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والثدي والمثانة وسرطانات الدم، مع تزايد المخاطر كلما ارتفع مستوى التلوث.
وأظهرت أبحاث أخرى ارتباط التعرض لدخان الحرائق باضطرابات في وظائف الدماغ والإدراك، وارتفاع احتمالات الإصابة بالخرف، إضافة إلى زيادة العدوى الفطرية في الأشهر التالية للتعرض.
لا يوجد مستوى آمن
ويؤكد خبراء الصحة أنه لا يوجد مستوى آمن لاستنشاق الجسيمات الدقيقة الناتجة عن حرائق الغابات، إذ إن أي كمية تدخل الجهاز التنفسي يمكن أن تثير استجابة التهابية داخل الجسم.
وتُعد الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات الأطفال، وكبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة، إلا أن الأشخاص الأصحاء قد يعانون أيضًا من التهاب الحلق، والسعال، والصداع، وتشوش الذهن، حتى بعد اختفاء الدخان.
كيف يمكن تقليل المخاطر؟
يوصي الخبراء بارتداء كمامات N95 عند انتشار دخان الحرائق، وتقليل الأنشطة الخارجية، خاصة المجهود البدني، لأن زيادة معدل التنفس تؤدي إلى استنشاق كميات أكبر من الملوثات.
كما ينصح باستخدام أجهزة تنقية الهواء المزودة بمرشحات قادرة على احتجاز الجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرون.
أما داخل المنازل، فينصح بإغلاق النوافذ والأبواب قدر الإمكان، وتجنب التدخين، أو قلي الطعام، أو إشعال الشموع والبخور، أو استخدام المكانس الكهربائية غير المزودة بمرشحات HEPA، لأنها قد تزيد تركيز الجسيمات الدقيقة في الهواء.
أسئلة ما زالت بلا إجابة
ورغم تزايد المعرفة بالمخاطر الصحية لدخان الحرائق، لا تزال هناك أسئلة علمية قيد الدراسة، أبرزها تأثير التعرض المتكرر للدخان عبر سنوات عديدة، وتأثيره في مياه الشرب والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، إضافة إلى دوره المحتمل في زيادة آثار موجات الحر الشديدة المرتبطة بتغير المناخ.
ويؤكد الباحثون أن تكرار حرائق الغابات نتيجة تغير المناخ قد يجعل التعرض لهذه الملوثات أكثر شيوعًا في المستقبل، ما يفرض تحديات صحية وبيئية متزايدة.
