أثارت تصريحات عالم الأعصاب الإدراكي الأمريكي Jared Horvath، المتخصص في سيكولوجية التعليم، موجة واسعة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد كشفه عن نتائج دراسة تشير إلى تراجع القدرات المعرفية لدى “جيل زد” مقارنة بالأجيال السابقة.
وجاءت التصريحات خلال جلسة استماع أمام لجنة التجارة والعلوم في United States Senate، حيث عرض الباحث منحنى تاريخيًا لتطور مؤشرات الذكاء عبر أكثر من قرن.
من صعود مستمر إلى هبوط حاد
أوضح هورفاث أن القرن العشرين شهد ارتفاعًا منتظمًا في متوسط معدلات الذكاء، بمعدل يقارب 3 نقاط لكل جيل، وهي الظاهرة التي ارتبطت تاريخيًا بتطور التعليم المنظم وتحسن الظروف الصحية والاجتماعية.
لكن منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، انقلب الاتجاه؛ إذ تشير البيانات – بحسب عرضه – إلى انخفاض يصل إلى 8 نقاط لكل جيل، في تحول وصفه بأنه غير مسبوق تاريخيًا.
وأكد أن “جيل زد” هو أول جيل لا يتفوق معرفيًا على سابقه في مؤشرات أساسية تشمل:
- الانتباه والتركيز
- الذاكرة قصيرة المدى
- القراءة
- الحساب
- الذكاء العام
وذلك رغم قضاء هذا الجيل وقتًا أطول داخل المؤسسات التعليمية مقارنة بالأجيال السابقة.
أدوات القياس: اختبارات دولية معتمدة
استندت الدراسة إلى مجموعة من أدوات القياس المعترف بها عالميًا، من بينها:
– مقياس وكسلر للذكاء: برنامج Programme for International Student Assessment (PISA)
– برنامج Progress in International Reading Literacy Study (PIRLS)
وتقيس هذه البرامج مهارات القراءة والرياضيات والعلوم لدى الطلاب، لا سيما في سن الخامسة عشرة، كما اعتمدت الدراسة على تحليل أبحاث متخصصة حول أثر التكنولوجيا الرقمية في التعلم.
عام 2000.. نقطة التحول
حدد هورفاث عام 2000 باعتباره نقطة التحول التي توقف عندها التقدم المعرفي المتراكم عبر الأجيال، مشيرًا إلى أن الضعف الملحوظ في التركيز والذاكرة والمهارات الدراسية الأساسية تزامن مع التوسع الكبير في استخدام التكنولوجيا داخل المدارس.
وأرجع الباحث هذا التراجع أساسًا إلى الاعتماد المكثف على الأجهزة الرقمية في العملية التعليمية، ما قد يؤثر – بحسب طرحه – في أنماط الانتباه العميق والاحتفاظ بالمعلومات.
توضيح بعد الجدل
عقب انتشار ملخصات مبسطة اعتبرت أن الدراسة تصف جيل زد بأنه “أقل ذكاء”، سارع هورفاث إلى توضيح موقفه، مؤكدًا أن حديثه يتعلق بتراجع بعض القدرات المعرفية المقاسة تقليديًا، وليس بالذكاء المطلق أو الإمكانات الشاملة للجيل.
ودعا إلى إعادة الاعتبار لأساليب التعليم التقليدية، مثل:
- القراءة الورقية
- تدوين الملاحظات بخط اليد
- تقليل الاعتماد المفرط على الشاشات داخل الفصول
- تفاعل واسع.. بين القلق والتشكيك
رصد برنامج “شبكات” في حلقة بتاريخ 13 فبراير 2026 تفاعل المتابعين مع هذه التصريحات.
فبينما رأى بعض المعلقين، أن النتائج تؤكد مخاوفهم من أثر وسائل التواصل الاجتماعي في التركيز والانتباه، عبّر آخرون عن قلق شخصي من تراجع قدرتهم على التركيز في حياتهم اليومية.
في المقابل، شكك آخرون في مغزى الدراسة، معتبرين أن مقاييس الذكاء التقليدية قد لا تعكس مهارات جيل نشأ في بيئة رقمية، ويتقن التعامل مع كم هائل من المعلومات، إضافة إلى مهارات تقنية وإبداعية لم تكن ضمن معايير الاختبارات المصممة قبل عقود.
قلق علمي أوسع
لا تقتصر هذه المخاوف على الولايات المتحدة؛ فقد رصد باحثون في عدة دول أوروبية انخفاضًا ملحوظًا في نتائج اختبارات PISA خلال السنوات الأخيرة، ما يعزز فرضية وجود تغيرات بنيوية في أنماط التعلم والإدراك لدى الأجيال الحديثة.
ويرى بعض الخبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في “ذكاء أقل”، بل في تحوّل طبيعة المهارات المطلوبة، من الحفظ العميق إلى التفاعل السريع مع المعلومات الرقمية، وهو ما قد لا تعكسه أدوات القياس التقليدية بدقة.
بين التحذير وإعادة التقييم
تفتح هذه النتائج بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل التعليم، وحدود دمج التكنولوجيا في الفصول الدراسية، وكيفية تحقيق توازن بين الأدوات الرقمية وأساليب التعلم العميق.
فهل يشهد العالم فعلًا تراجعًا معرفيًا؟ أم أن المقاييس القديمة لم تعد قادرة على قياس قدرات جيل جديد نشأ في بيئة مختلفة جذريًا؟
الإجابة، على الأرجح، تتطلب إعادة نظر شاملة في تعريف الذكاء ذاته، وفي آليات تقييمه داخل الأنظمة التعليمية الحديثة.
