في لحظة مشحونة بالرمزية السياسية والوجدانية، حطّت طائرة “إير فرانس” عند الثانية والنصف بعد ظهر الجمعة في مطار رفيق الحريري الدولي، لتكتب سطور النهاية لواحدة من أطول فصول الاعتقال السياسي في أوروبا، بعودة المناضل اللبناني جورج إبراهيم عبد الله إلى بلاده، بعد 41 عامًا أمضاها في السجون الفرنسية، متهمًا بالتواطؤ في اغتيال دبلوماسيين أمريكي وإسرائيلي في ثمانينيات القرن الماضي.
لم يكن المشهد عاديًا؛ آلاف اللبنانيين احتشدوا في باحة المطار، تتقدمهم شخصيات حزبية وسياسية من حزب الله وحركة أمل والحزب الشيوعي، لاستقبال الرجل الذي تحوّل، بمرور الزمن، إلى رمز أممي للنضال ضد الاستعمار والإمبريالية، فيما صدحت الهتافات: “الحرية لجورج عبد الله” في أجواء اختلط فيها الفرح بالتاريخ، والانتصار بالمرارة.
منذ عام 1984، ظل عبد الله رهن الاعتقال في فرنسا، ورغم انتهاء مدة محكوميته القانونية في 1999، فإن ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية حالت دون الإفراج عنه حتى اليوم.
وفي الوقت الذي وُصِف فيه بـ”آخر سجين سياسي في أوروبا”، ظل عبد الله يرفض المساومة أو الاعتذار، معتبرًا أن ما قام به يندرج تحت مظلة “المقاومة المشروعة ضد الاحتلال”.
“المقاومة لا تُعتقل”.. عبد الله : فلسطين ستبقى الرافعة التاريخية للثورة
ولدى خروجه أمام الحشود، قال عبد الله بصوت ثابت:
“ننحني أمام دماء شهداء المقاومة إلى الأبد، فهم القاعدة الأساسية لأي فكرة تحرر في العالم… طالما هناك مقاومة، هناك عودة للوطن”.
وأضاف:
“المقاومة مسمّرة في هذه الأرض، لا يمكن اقتلاعها… وفلسطين تبقى الرافعة التاريخية للثورة في العالم العربي”.
رسائله كانت واضحة: لا تراجع عن خيار المقاومة، ولا مساومة على المبادئ التي دخل السجن بسببها. مشددًا على أن الإفراج عنه لا يعني تغييرًا في نهجه النضالي، بل انتقالًا إلى مرحلة جديدة من المواجهة الفكرية والسياسية.
فرنسا تُفرج.. وإسرائيل تندد
في المقابل، جاء ردّ الفعل الإسرائيلي غاضبًا. وزارة الخارجية في تل أبيب اعتبرت، عبر منصة “إكس”، أن “فرنسا تكافئ الإرهاب”، متهمة عبد الله بالوقوف خلف اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي يعقوب بار سيمان طوف، والأمريكي تشارلز راي، ووصفت الاستقبال الشعبي له في بيروت بأنه “مظهر من مظاهر تشجيع الإرهاب”.
وجاء الإفراج عن عبد الله في توقيت شديد الحساسية، إذ يتزامن مع إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نية بلاده الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين في الأمم المتحدة في سبتمبر المقبل، ما أضفى بُعدًا سياسيًا مضاعفًا على الحدث، واعتُبر في إسرائيل تصعيدًا فرنسيًا إضافيًا في الملف الفلسطيني.
تاريخ طويل من النضال والرفض
ولد جورج عبد الله عام 1951 في بلدة القبيات شمال لبنان، وانخرط منذ شبابه في العمل الثوري، ثم التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة. واعتُقل في فرنسا عام 1984، بعد الاشتباه في ضلوعه بعمليات استهدفت دبلوماسيين أمريكيين وإسرائيليين، في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان.
وفي عام 1987، صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، وأصبح مؤهلاً للإفراج المشروط منذ عام 1999، لكن 12 طلبًا لإطلاق سراحه قوبلت بالرفض، إلى أن فُكّ القيد أخيرًا بعد أكثر من أربعة عقود.
ورغم كل تلك السنوات، لم يقرّ عبد الله بتهم “الاغتيال”، مصنفًا ما حدث ضمن أعمال المقاومة ضد “العدوان الأمريكي – الإسرائيلي على لبنان وفلسطين”، معتبرًا أن السجن لم يغيّر قناعاته، بل زادها رسوخًا.
من الأسر إلى الرمز
في بيان لها، هنأت لجنة أصدقاء عميد الأسرى في السجون الصهيونية، يحيى
كاف، المناضل جورج عبد الله على “تحرّره من سجون الاستعمار الفرنسي”، واعتبرت أن “الخيار الوطني الذي سار عليه انتصر على قوى الاستكبار العالمي”، متمنية أن يكون الإفراج عنه مقدمة لتحرير جميع الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين، وفي مقدمتهم يحيى سكاف.
المشهد أمام المطار، وتلك الكلمات الثابتة من عبد الله، أكدت أن الحرية لا تُمنَح، بل تُنتزع، وأن النضال، وإن طال، لا يُنسى.
