باحثة ترسم خرائط الروائح في مدن العالم.. أطلس جديد يوثق ذاكرة المدن العطرية

أطلس عالمي يوثق كيف «تشم» المدن.. هل يمكن مشاركة الروائح مثل الصور؟ مشروع علمي يرسم

في الوقت الذي نشارك فيه الصور والأصوات بسهولة عبر المنصات الرقمية، يظل سؤال واحد بلا إجابة واضحة: لماذا لا يمكننا مشاركة الروائح؟ هذا التساؤل قاد الباحثة والمصممة البريطانية الدكتورة كيت ماكلين-ماكنزي إلى إطلاق مشروع فريد من نوعه لرسم خرائط «مناظر الشم» في مدن العالم.

ترتبط أجواء عيد الميلاد لدى كثيرين بروائح البرتقال وفطائر اللحم، غير أن لكل مدينة روائحها الخاصة التي تتغير مع الفصول والأوقات. وتسعى ماكلين-ماكنزي، الباحثة بجامعة كِنت، إلى توثيق هذه الروائح من خلال أطلس عالمي يوثق ما تسميه «المناظر الشمية» للمدن.

تقول الباحثة إنها بدأت الاهتمام بحاسة الشم قبل نحو 15 عامًا، بعدما لاحظت فجوة كبيرة في طرق توثيق التجربة الحسية. فبينما يمكن تسجيل الصور والأصوات ومشاركتها، لا تزال الروائح غائبة عن أدوات التوثيق والتواصل الحديثة.

ومن هنا، شرعت ماكلين-ماكنزي في تنظيم ما يُعرف بـ«جولات الشم»، حيث يُطلب من المشاركين التجول في الشوارع وتسجيل الروائح التي يلتقطونها، مع وصف شدتها ومدتها، وما إذا كانت مفاجئة أو محببة، إضافة إلى المشاعر والذكريات التي تثيرها.

روائح المناسبات تختلف ثقافيًا من مكان إلى آخر

الروائح داخل الفضاء الحضري

وتوضح الباحثة أنها تحلل هذه البيانات لتحويلها إلى خرائط بصرية وسرد ثقافي يوضح ما تكشفه الروائح عن المدن، وتؤكد أن هذه الخرائط تعتمد على التفسير الإنساني الذاتي، وتُعنى بالقصص التي تقودنا إليها الروائح داخل الفضاء الحضري.

ومنذ عام 2011، شمل المشروع نحو 40 مدينة حول العالم، من بينها غلاسغو، إدنبرة، كانتربري، أمستردام، فيرونا، كييف، كولكاتا وباريس. وفي إحدى الجولات بنيويورك، وصف أحد المشاركين رائحة ليلية بأنها «رائحة الأحلام المحطمة»، مشيرًا إلى مزيج من رائحة الجعة القديمة على الأرصفة ومشاعر الوحدة أثناء العودة إلى المنزل ليلًا.

وتشير ماكلين-ماكنزي إلى أن الهدف ليس تصنيف الروائح علميًا، بل تسميتها ومنحها معنى في حياة الناس اليومية. فالتسمية، من وجهة نظرها، هي ما يحول الرائحة إلى تجربة إنسانية ذات دلالة.

رسم خرائط عشرات المدن في الأطلس الجديد

توثيق الطبيعة العابرة للروائح

وتتميز الخرائط بتوثيق الطبيعة العابرة للروائح، إذ تُظهر مصدر الرائحة في يوم الجولة، واتجاه انتشارها بفعل الرياح. وتشبه الباحثة هذه الخرائط بلوحات انطباعية تلتقط لحظة زمنية لا يمكن استعادتها إلا بتجربتها ميدانيًا.

وترى ماكلين-ماكنزي أن هذه الخرائط قد تشكل سجلًا تاريخيًا مهمًا لروائح المدن، خاصة مع التغيرات المتوقعة مستقبلًا، مثل انتشار السيارات الكهربائية، ما قد يجعل رائحة الوقود في شوارع لندن جزءًا من الماضي.

كما تأمل الباحثة أن يشجع الأطلس الناس على التفاعل مع بيئتهم الحضرية باستخدام جميع حواسهم، وأن يعزز تقبل اختلاف التجارب الحسية بين الأفراد.

قد تصبح رائحة البنزين في شوارع لندن المزدحمة قريباً من الماضي

روائح المناسبات 

وتضيف أن روائح المناسبات تختلف ثقافيًا من مكان إلى آخر؛ فبينما ترتبط أعياد الميلاد في أوروبا برائحة الديك الرومي والحلوى والنيران، ترتبط في كولكاتا بروائح كعك التشينا، والأطعمة والمشروبات المحلية، وحتى مفهوم «البرودة» يختلف من ثقافة لأخرى.

ولا تخلو التجربة من مفاجآت؛ إذ تروي الباحثة أن أحد المشاركين في القارة القطبية الجنوبية صادف فقمة نافقة، وكانت رائحتها – على غير المتوقع – أقرب إلى الجلد، بل ومقبولة.

وتختتم ماكلين-ماكنزي بالقول إن الرائحة ليست بالضرورة أمرًا سلبيًا، فهي مؤقتة وتحمل في طياتها قصصًا وتجارب تستحق الاكتشاف.

Exit mobile version