تراجع تمويل المساعدات الغذائية 59% بين 2022 و2025.. و7 من أصل 8 دول تواجه مستويات مقلقة من الجوع تقع في أفريقيا جنوب الصحراء
لم تعد أزمة الجوع في أفريقيا مجرد انعكاس للفقر أو ضعف الإنتاج الزراعي، بل باتت نتيجة لتداخل أزمات متشابكة، تتصدرها النزاعات المسلحة التي تهجّر السكان وتدمّر سبل العيش، والصدمات المناخية التي تضرب المحاصيل والموارد المائية، وارتفاع أسعار الغذاء، في وقت تتراجع فيه الموارد المخصصة للمساعدات الإنسانية.
وتكشف المؤشرات الحديثة عن اتساع الفجوة بين الاحتياجات الغذائية المتزايدة والقدرة على الاستجابة لها، بما يضع الأمن الغذائي في القارة أمام تحديات تتجاوز توفير الغذاء بصورة عاجلة إلى حماية النظم الزراعية وسبل عيش المجتمعات الأكثر هشاشة.
وتبدو أفريقيا جنوب الصحراء من أكثر المناطق تضررًا من هذا المسار؛ إذ تضم 7 من أصل 8 دول صُنفت ضمن الفئة الأكثر إثارة للقلق في مؤشر الجوع العالمي لعام 2026، فيما تشير بيانات أزمات الغذاء إلى أن نحو 266 مليون شخص في 47 دولة ومنطقة عانوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2025.
وتتزامن هذه الأوضاع مع تراجع حاد في تمويل المساعدات الغذائية والإنسانية، ما يهدد قدرة الجهات المعنية على الوصول إلى السكان المتضررين في الوقت المناسب.
مؤشر الجوع العالمي: انتكاسة بعد سنوات من التقدم
أظهر مؤشر الجوع العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة «إغاثة جوعى العالم» الألمانية وشركائها، تراجعًا في مسار مكافحة الجوع؛ إذ ارتفع المؤشر العالمي للمرة الأولى مقارنة بعام 2018، وفق التقرير، بعد فترة من التقدم النسبي في الحد من الجوع.
ووفق البيانات المنشورة، تدهورت أوضاع الجوع في 32 دولة، بينما لم تحقق 20 دولة أخرى سوى تقدم محدود.
ويعتمد المؤشر على مجموعة من المؤشرات المرتبطة بنقص التغذية وسوء التغذية والوفيات بين الأطفال، لتقديم صورة عن حجم المشكلة وشدتها.
وتبرز خطورة الوضع في أفريقيا جنوب الصحراء، التي تضم سبع دول من أصل ثماني دول صُنفت ضمن فئة الجوع المقلق. ويشير ذلك إلى أن التحدي لا يقتصر على نقص الغذاء المتاح، بل يمتد إلى قدرة الأسر على الحصول عليه بانتظام، وتوافر التغذية الكافية، والحفاظ على صحة الأطفال في البيئات الأكثر هشاشة.
النزاعات المسلحة.. المحرك الأبرز لانعدام الأمن الغذائي
تظل النزاعات المسلحة أحد أهم محركات أزمات الغذاء الحادة؛ فهي لا تقتصر على تعطيل وصول المساعدات، بل تمتد آثارها إلى تهجير السكان من أراضيهم، وتدمير المحاصيل والمخزونات الغذائية، وتعطيل الأسواق وطرق النقل، وحرمان المزارعين والرعاة من مصادر دخلهم.
ويؤدي النزوح القسري إلى زيادة الضغط على المجتمعات المضيفة، التي قد تعاني أصلًا الفقر وضعف الخدمات ونقص الموارد.
ومع استمرار الصراع، يفقد كثير من الأسر قدرتها على إنتاج الغذاء أو شراء احتياجاتها الأساسية، فتتحول الأزمة من نقص مؤقت في الإمدادات إلى انعدام مستمر للأمن الغذائي.
وتقدم أزمة السودان مثالًا واضحًا على هذا الترابط؛ فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تسببت المواجهات في نزوح واسع النطاق وأزمة إنسانية امتدت آثارها إلى الدول المجاورة.
وفي تشاد، استقبلت مخيمات اللاجئين أعدادًا كبيرة من الفارين من السودان، في وقت تواجه فيه المجتمعات المضيفة نفسها مستويات مرتفعة من الفقر وانعدام الأمن الغذائي. ويزيد هذا الوضع من صعوبة توفير الغذاء والخدمات الأساسية للاجئين والسكان المحليين على حد سواء.
ولا تتوقف آثار الحرب عند حدود مناطق القتال؛ فتعطل الإنتاج والتجارة والنقل، إلى جانب تراجع فرص العمل والدخل، يحد من قدرة الأسر على الحصول على الغذاء حتى عندما يكون متاحًا في الأسواق.
تغير المناخ يضاعف الضغوط على الزراعة والمياه
إلى جانب الصراعات، تتزايد الضغوط المناخية على النظم الغذائية في أفريقيا، حيث يمكن لموجات الجفاف والفيضانات واضطراب أنماط هطول الأمطار أن تقلص إنتاج المحاصيل، وتضر بالمراعي والثروة الحيوانية، وتضعف مصادر دخل المجتمعات الريفية.
وتكتسب هذه التأثيرات أهمية خاصة في المناطق التي تعتمد فيها الأسر على الزراعة المطرية أو تربية الماشية، إذ قد يؤدي فشل موسم زراعي أو تراجع المراعي إلى فقدان الغذاء والدخل في الوقت نفسه، بما يقلل قدرة الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار أو شراء احتياجاتها من الأسواق.
كما يمكن للصدمات المناخية أن تتزامن مع النزاعات، فتزيد صعوبة الوصول إلى الأراضي والمياه والأسواق، وتحد من قدرة المزارعين على استعادة الإنتاج بعد الأزمات.
وفي هذه الظروف، لا تعمل الحرب والجفاف وارتفاع الأسعار بوصفها عوامل منفصلة، بل تتداخل آثارها وتزيد هشاشة المجتمعات الأكثر تعرضًا للخطر.
وتحذر تقارير الأمن الغذائي من أن الظواهر الجوية المتطرفة، إلى جانب النزاعات والصدمات الاقتصادية، تواصل دفع ملايين الأشخاص إلى مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
ويعني ذلك أن مواجهة الجوع تتطلب استجابات لا تقتصر على توفير الغذاء وقت الطوارئ، بل تشمل أيضًا تعزيز قدرة الزراعة وسبل العيش على الصمود أمام تقلبات المناخ.
تمويل المساعدات يتراجع 59% رغم اتساع الاحتياجات
تتفاقم الأزمة مع الانخفاض الحاد في الموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية. ووفق منظمة «العمل ضد الجوع»، تراجع تمويل المساعدات الغذائية الإنسانية في مناطق الأزمات بنسبة 59% بين عامي 2022 و2025.
ويأتي هذا الانخفاض في وقت تشير فيه بيانات تقرير أزمات الغذاء العالمي لعام 2026 إلى أن نحو 266 مليون شخص في 47 دولة ومنطقة واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال عام 2025. ويعكس الرقم حجم الاحتياجات، لكنه لا يمثل إجمالي عدد الجوعى في العالم؛ إذ يتعلق بفئات تعاني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في البلدان والمناطق التي يغطيها التقرير.
ويؤدي تراجع التمويل إلى تضييق قدرة المنظمات الإنسانية على توفير الغذاء والتغذية العلاجية والمساعدات الزراعية الطارئة، فضلًا عن تقليص قدرتها على الوصول إلى المجتمعات المتضررة ورصد تطورات الأزمة.
وتزداد خطورة نقص التمويل عندما تتزامن الاحتياجات مع صعوبة الوصول إلى مناطق النزاع، أو تدمير البنية التحتية، أو تراجع القدرة المحلية على إنتاج الغذاء.
ففي مثل هذه الظروف، لا تعني فجوة التمويل تأجيل بعض البرامج فحسب، بل قد تعني أيضًا تأخر وصول المساعدة إلى أسر تواجه خطر الجوع وسوء التغذية.
وتكشف هذه المفارقة عن فجوة متزايدة بين حجم الأزمة والموارد المتاحة لمواجهتها: فكلما طال أمد النزاعات وتكررت الصدمات المناخية، ازدادت الحاجة إلى تدخلات مستمرة، بينما يؤدي تراجع التمويل إلى تقليص القدرة على الاستجابة.
645 مليون شخص يعانون الجوع المزمن عالميًا
على مستوى آخر، تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» إلى أن عدد الأشخاص الذين يعانون الجوع المزمن عالميًا بلغ نحو 645 مليون شخص في عام 2025، مع تسجيل تراجع طفيف مقارنة بالفترة السابقة، وفق التقرير المشار إليه في المادة الأصلية.
ولا يتعارض هذا الرقم بالضرورة مع تقدير 266 مليون شخص الذين واجهوا انعدامًا حادًا للأمن الغذائي؛ فالمؤشران يقيسان أوضاعًا مختلفة.
إذ يتعلق الأول بالجوع المزمن على المستوى العالمي، بينما يرصد الثاني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد في 47 دولة ومنطقة شملها تقرير أزمات الغذاء العالمي.
ويؤكد هذا التمييز أهمية عدم التعامل مع أرقام الجوع كما لو كانت تقيس الفئة نفسها أو النطاق الجغرافي ذاته.
فالجوع المزمن يعكس الحرمان المستمر من الغذاء الكافي، بينما يشير انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى أوضاع أشد إلحاحًا قد تتدهور بسرعة وتحتاج إلى تدخل عاجل.
من الإغاثة الطارئة إلى بناء نظم غذائية قادرة على الصمود
توضح المؤشرات أن الحد من الجوع في أفريقيا يتطلب الجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة ومعالجة الأسباب التي تجعل المجتمعات عرضة للأزمات المتكررة.
فإيصال الغذاء والمساعدات التغذوية يظل ضروريًا لحماية السكان المتضررين، لكنه لا يكفي وحده عندما تستمر الحروب وتتراجع فرص العمل ويتضرر الإنتاج الزراعي.
وتبرز الحاجة إلى حماية سبل عيش المزارعين والرعاة، وتحسين القدرة على إدارة المياه، وتعزيز مرونة الإنتاج أمام الجفاف والفيضانات، ودعم الأسواق المحلية وسلاسل الإمداد.
كما يمثل استمرار تمويل برامج الأمن الغذائي عنصرًا أساسيًا في منع تحول الأزمات المؤقتة إلى حالات طويلة الأمد من الجوع وسوء التغذية.
ويكتسب التمويل المبكر أهمية خاصة عندما تسمح المؤشرات المناخية أو تطورات النزاع بالتنبؤ بتدهور الأوضاع قبل وصولها إلى مستويات أكثر خطورة.
وتحتاج هذه الجهود كذلك إلى تنسيق بين الحكومات والمنظمات الإنسانية والمؤسسات المعنية بالزراعة والمناخ، بحيث لا تعمل برامج الإغاثة بمعزل عن خطط التنمية الزراعية وإدارة الموارد الطبيعية.
الأمن الغذائي قضية مناخية وتنموية وإنسانية
تكشف أزمة الجوع في أفريقيا عن ترابط وثيق بين الأمن الغذائي والاستقرار والصمود المناخي.
فالنزاعات تدمر مصادر الإنتاج والدخل، والتغيرات المناخية تزيد تقلبات المحاصيل والمياه، وارتفاع الأسعار يحد من قدرة الأسر على شراء الغذاء، بينما يؤدي نقص التمويل إلى إضعاف الاستجابة لهذه الضغوط مجتمعة.
وبينما تتركز أشد الأزمات في عدد من الدول والمناطق المتضررة من الصراعات والصدمات المناخية، فإن اتساع الاحتياجات وتراجع الموارد يفرضان إعادة النظر في كيفية تمويل التدخلات الإنسانية والزراعية، مع التركيز على منع الأزمات قبل تفاقمها، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
وفي نهاية المطاف، لا تتوقف مواجهة الجوع على توفير الغذاء في لحظة الأزمة، بل تتطلب حماية قدرة المجتمعات على إنتاجه والحصول عليه بصورة منتظمة، وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات، وضمان استمرار المساعدات للفئات الأكثر احتياجًا.
ومن دون معالجة هذه العوامل المتداخلة، سيظل التقدم في مكافحة الجوع هشًا، خصوصًا في المناطق التي تتقاطع فيها الحروب مع الضغوط المناخية والفقر.
