منذ أكثر من قرن، كان العلماء يعتقدون أن جبال الهملايا، أعلى سلاسل الجبال على سطح الأرض، تستمد قوتها وارتفاعها الشاهق من سماكة القشرة الأرضية فقط.
فقد كان النموذج السائد يفترض أن القشرة الهندية انغرست أسفل القشرة الآسيوية بعد تصادم القارتين قبل نحو 50 مليون سنة، مما أدى إلى تكوين كتلة قشرية سميكة قادرة على رفع «سقف العالم».
لكن هذه الصورة الكلاسيكية لم تكن تفسر سر بقاء الهضبة التبتية على ارتفاع يزيد عن 4500 متر رغم مرور عشرات الملايين من السنين.
فالصخور عند أعماق تتجاوز 40 كيلومترًا تصبح ساخنة ومرنة، أي أنها لا تستطيع تحمل ثقل الجبال لفترات طويلة.
الآن، تكشف دراسة جديدة أجراها فريق بحثي بقيادة الدكتور بيترو ستيرناي، أستاذ الجيوفيزياء في جامعة ميلانو بيكوكو الإيطالية، عن آلية خفية في عمق الأرض، تتمثل في وجود شريحة صلبة من وشاح الأرض (Mantle)، محشورة بين القشرة الهندية الصاعدة والقشرة الآسيوية، تعمل كدعامة صخرية عملاقة تمنع انزلاق الصخور الضعيفة وتحافظ على استقرار الجبال والهضبة لمدد زمنية هائلة.
الدراسة نُشرت في مجلة Tectonics العلمية، لتضع إطارًا موحدًا يفسر لغز الهملايا، ويبرهن أن قوة الجبال الحقيقية تأتي من عمق الأرض ذاته.
جبال على قاعدة من الحديد الصلد
يوضح ستيرناي أن هذا النموذج الجديد «يغيّر الطريقة التي نفهم بها كيفية دعم الأرض للجبال العملاقة»، إذ إن القشرة الأرضية وحدها – حتى لو كانت سميكة – لا يمكنها تحمّل وزن سلسلة بطول الهملايا وهضبة بحجم التبت.
لذلك، فإن الوشاح الصلب، وهو جزء من الغلاف الصخري (Lithosphere) تحت القشرة، هو من يتحمل العبء الحقيقي.
ويعتمد هذا التفسير على مفهوم جيولوجي يُعرف باسم التحته اللزجة (Viscous Underplating)، وهو عملية ترتفع فيها أجزاء من القشرة السفلية الهندية الطافية لتلتصق بأسفل القشرة الآسيوية الأكثر صلابة، مكوّنةً «نواة جبلية» مزدوجة الطبقات.
هذه النواة تتكوّن من قشرة طافية تمنح الرفع، وشريحة وشاح صلبة تمنح القوة، لتشكّل معًا ما يشبه العمود الفقري الذي يحمل الجبال فوقه.
إشارات من الأعماق: الزلازل والحمم تكشف السر
اعتمد الفريق على بيانات زلزالية عالية الدقة تُعرف بـ«وظائف المستقبلات الزلزالية» (Seismic Receiver Functions)، وهي تحليل لارتداد الموجات الزلزالية عن الحدود بين الطبقات العميقة للأرض.
وقد كشفت هذه القياسات عن وجود درجتين واضحتين في البنية أسفل الهملايا الجنوبية، وهي ظاهرة حيّرت العلماء لعقود.
النموذج الجديد يقدّم تفسيرًا بسيطًا: الدرجتان تمثلان حدَّين منفصلين — الأول بين القشرة الهندية والوشاح الصلب، والثاني بين الوشاح والقشرة الآسيوية — أي أن هناك طبقة ثالثة صلبة محصورة بينهما.
وتؤكد الأدلة السطحية هذا التفسير؛ فقد كشفت تحاليل الصخور البركانية القديمة في جنوب التبت، وتحديدًا صخور «الألترات البوتاسية» من عصر الميوسين، عن وجود قطع من صخور الوشاح (Xenoliths) جلبتها الحمم البركانية من أعماق كبيرة، ما يثبت أن مادة الوشاح كانت بالفعل جزءًا من قاعدة الهضبة خلال فترات النشاط البركاني.
كما تشير أنماط الزلازل العميقة في المنطقة إلى وجود صخور قوية وهشة في أعماق غير معتادة، وهي سمة تتوافق مع وجود طبقة وشاح صلبة تتعرض للإجهاد المستمر.
لماذا يفشل النموذج القديم؟
النموذج الكلاسيكي افترض ببساطة أن سماكة القشرة وحدها كافية لرفع الجبال، لكن عند عمق 25 إلى 30 ميلًا (40 إلى 50 كيلومترًا)، تصبح الصخور ساخنة ولينة بحيث تتصرف كسائل لزج على المدى الطويل، ما يجعلها غير قادرة على دعم مرتفعات ضخمة دون أن تنهار تدريجيًا.
أما في النموذج الجديد، فإن شريحة الوشاح الصلبة تعمل كـ«جسر صخري» يقاوم تدفق الصخور الضعيفة في الأعماق، مانعًا الهضبة من الانخفاض، ومفسرًا في الوقت نفسه استمرار ارتفاعها واستقرارها الهيكلي عبر ملايين السنين.
آثار أوسع: من تكتونيات الجبال إلى مناخ آسيا
لا يقتصر هذا الاكتشاف على تفسير تكوين الهملايا، بل يعيد صياغة فهمنا لتطور القارات والجبال الكبرى عبر التاريخ الجيولوجي للأرض. فوجود «عمود وشاحي صلب» تحت مناطق الرفع الكبرى يفسر كيف يمكن للجبال أن تبقى مرتفعة ومستقرة لفترات زمنية طويلة رغم ضعف الصخور السفلية.
كما أن هذا التماسك الصخري يؤثر بشكل غير مباشر على المناخ؛ فاستقرار الهضبة التبتية المرتفعة هو ما يدعم تشكّل الرياح الموسمية الآسيوية التي تنظّم أنماط الأمطار في القارة. وبالتالي، فإن أي تغير في هذه البنية العميقة قد تكون له انعكاسات مناخية على المدى الطويل.
الخطوة التالية: تصوير أعماق الأرض بدقة أعلى
يشير ستيرناي إلى أن الخطوة المقبلة هي استخدام شبكات زلزالية أكثر كثافة لتحديد شكل شريحة الوشاح وامتدادها بدقة، إلى جانب دراسة العينات الصخرية من المناطق الحرجة بين الهند والتبت لمعرفة درجات الحرارة والضغط التي تشير إلى موقع هذه الطبقة وصلابتها.
ويرى الباحثون أن فهم هذه البنية سيساعد في تطوير نماذج جيولوجية أكثر واقعية لتكوّن القارات، بل وربما تفسير كيف احتفظت مناطق أخرى مثل جبال الأنديز أو الروكي الأمريكية بارتفاعها الكبير عبر العصور.
“لا يمكنك أن تبني جبلًا فوق اللبن الرائب»، كما قال ستيرناي، مضيفًا: «القشرة الأرضية يمكنها رفع الجبل، لكن من دون شريك صلب من الوشاح، لن يبقى واقفًا طويلًا”.
