الهيدروجين الأخضر في مصر والمغرب والجزائر.. هل تتحول مشروعات التصدير إلى عبء على الموارد المائية؟

دراسة تحذر: صادرات الهيدروجين الأخضر من شمال أفريقيا إلى أوروبا تهدد المياه والحياة البحرية

حذرت دراسة بحثية حديثة من أن التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر بشمال أفريقيا لتصديره إلى الأسواق الأوروبية قد يفرض ضغوطًا كبيرة على الموارد المائية، ويهدد النظم البيئية الساحلية والحياة البحرية، رغم الدور المتوقع لهذا الوقود في خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا.

وأوضحت الدراسة، المنشورة في دورية علمية، أن إنتاج الهيدروجين الأخضر يعتمد على فصل جزيئات المياه إلى الهيدروجين والأكسجين باستخدام الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة، مثل الشمس والرياح.

ويُنظر إلى هذا الوقود باعتباره خيارًا نظيفًا يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل صناعة الصلب وتكرير المواد الكيميائية، إلى جانب قطاعات النقل الثقيل، بما يشمل الشحن البحري والطيران والشاحنات لمسافات طويلة.

لكن إنتاج هذا الوقود يتطلب كميات كبيرة من المياه، وهو ما يثير مخاوف بيئية في مناطق شمال أفريقيا، التي تمتلك موارد واعدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لكنها تعاني في الوقت نفسه من ندرة المياه وتراجع مخزوناتها الجوفية.

وتبرز هذه المفارقة مع سعي دول شمال أفريقيا، وفي مقدمتها مصر والمغرب والجزائر، إلى تعزيز موقعها باعتبارها موردًا رئيسيًا للهيدروجين الأخضر إلى الأسواق الأوروبية، في وقت تستهدف فيه المفوضية الأوروبية استيراد 10 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا بحلول عام 2030.

ورغم أن معظم محطات الإنتاج الكبرى والبنية التحتية اللازمة للتصدير لم تدخل بعد مرحلة التشغيل التجاري، فإن عشرات المشروعات الضخمة وصلت إلى مراحل مختلفة من التطوير، بداية من توقيع مذكرات تفاهم لإقامتها، مرورًا بالدراسات الأولية، وصولًا إلى تنفيذ مشروعات تجريبية.

40 مليار دولار اتفاقيات مصرية لمشروعات الهيدروجين والأمونيا

الهيدروجين

وتسعى مصر إلى تطوير مراكز لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بعدما وقعت اتفاقيات مع مطورين دوليين بقيمة تصل إلى 40 مليار دولار، وفقًا لما أورده التقرير.

وفي المغرب، تتضمن الخطط تخصيص مليون هكتار من الأراضي لمطوري مشروعات الهيدروجين الأخضر، بينما تعمل الجزائر على تطوير مسار لنقل الهيدروجين الأخضر مباشرة إلى أوروبا عبر ممر «SoutH2 Corridor» المقترح، بمشاركة شركاء أوروبيين وتونس.

ومن المتوقع أن تدخل غالبية مشروعات الإنتاج التجاري واسعة النطاق والبنية التحتية للتصدير حيز التشغيل خلال الفترة بين عامي 2027 و2035، بينما تعمل بالفعل بعض المنشآت التجريبية.

استهلاك المياه يتجاوز التقديرات المعلنة

واعتمدت الدراسة على مراجعة بيانات هندسية وبيئية من مختلف أنحاء العالم، لبناء نموذج حاسوبي لمحطة لإنتاج الهيدروجين بقدرة جيجاوات واحدة، على مساحة تبلغ 10 هكتارات، وتعمل في مناخ حار وجاف.

وحسب الباحثين، لم يقتصر النموذج على حساب المياه اللازمة للتفاعل الكيميائي لإنتاج الهيدروجين، بل شمل أيضًا المياه المستخدمة في معالجة الإمدادات للوصول إلى درجة النقاء المطلوبة، فضلًا عن احتياجات تبريد المعدات، وما يفقد من المياه خلال هذه العمليات.

وخلصت النتائج إلى أن إنتاج كيلوجرام واحد من الهيدروجين الأخضر قد يتطلب ما بين 35 و170 لترًا من المياه، وهو ما يزيد بصورة كبيرة على التقديرات المتداولة في القطاع الصناعي، والتي تشير إلى أن إنتاج الكيلوجرام الواحد يحتاج إلى نحو 9 لترات فقط.

وأوضحت الدراسة أن تقدير التسعة لترات يعكس الحد الأدنى المطلوب لإتمام التفاعل الكيميائي، ولا يشمل إجمالي استهلاك المحطة خلال التشغيل الفعلي، إذ تحتاج مصانع الهيدروجين إلى مياه فائقة النقاء، كما تفقد كميات من المياه خلال عمليات التنقية، فضلًا عن الفاقد الناتج عن التبخر في أنظمة التبريد، خاصة بالمناطق الحارة والجافة.

وتزداد خطورة هذه الاحتياجات المائية في شمال أفريقيا، حيث تعاني المياه الجوفية بالفعل من الاستنزاف الشديد، ما يثير مخاوف بشأن تأثير المشروعات الجديدة على إمدادات المياه المتاحة للسكان والزراعة والنظم البيئية المحلية.

تحلية مياه البحر تطرح مخاطر على الحياة البحرية

الحياة البحرية

وأشارت الدراسة إلى أن تحلية مياه البحر قد تكون أحد الحلول المطروحة لتوفير المياه العذبة اللازمة لتشغيل مصانع الهيدروجين الأخضر، لكنها حذرت من أن هذه العملية قد تؤدي إلى أضرار بيئية إضافية لا تحظى بالاهتمام الكافي.

وتنتج محطات التحلية كميات كبيرة من المحلول الملحي شديد التركيز، المعروف باسم «الرجيع الملحي»، الذي يُعاد تصريفه إلى البحر، ويحتوي كذلك على مواد كيميائية تستخدم لمنع تراكم الترسبات المعدنية على المعدات، وإزالة الشوائب، وتنظيف المرشحات.

وبحسب الدراسة، فإن تصريف هذا المحلول في المناطق الساحلية شبه المغلقة، مثل البحيرات الساحلية والخلجان، قد يؤدي إلى ترسبه في قاع البحر بسبب كثافته المرتفعة، بما يهدد الكائنات البحرية ويؤدي إلى اختناقها، فضلًا عن الإضرار بمصايد الأسماك المحلية.

كما حذرت النتائج من احتمال استنزاف مخزونات المياه الجوفية القديمة، التي لا تتجدد بمعدلات تسمح بتعويض ما يُسحب منها خلال الفترات الزمنية المرتبطة بالنشاط البشري، ما يعني أن الاعتماد عليها في تشغيل مصانع الهيدروجين قد يؤدي إلى استهلاك موارد مائية غير قابلة للتجدد عمليًا.

«الاستخراج الأخضر».. مكاسب أوروبية وأعباء بيئية على الدول المنتجة

ورصدت الدراسة نمطًا وصفته بـ«الاستخراج الأخضر» (Green Extractivism)، يتمثل في استفادة الدول الغنية المستوردة للهيدروجين الأخضر من خفض انبعاثاتها الكربونية، بينما تتحمل الدول المنتجة الأعباء البيئية المرتبطة باستهلاك المياه والضغط على النظم الطبيعية.

ويعني ذلك أن التحول إلى الطاقة النظيفة قد لا يحقق توزيعًا عادلًا للمنافع والتكاليف، إذا اقتصرت معايير تقييم المشروعات على حجم الانبعاثات التي تتجنبها، دون احتساب الأضرار التي قد تلحق بالموارد المائية والبيئات الساحلية في الدول المصدرة.

وأكد الباحثون أن القواعد الدولية الحالية لتصنيف الهيدروجين باعتباره «أخضر» تركز بصورة شبه كاملة على خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ولا تأخذ بالقدر الكافي في الاعتبار قدرة الموارد المائية المحلية على تحمل الاستهلاك، أو مدى توافر المياه اللازمة للشرب والزراعة، أو تأثير مخلفات المشروعات على النظم البيئية.

مؤشرات جديدة لتقييم استدامة مشروعات الهيدروجين

ودعت الدراسة إلى تطوير معايير الاعتماد الدولية الخاصة بالهيدروجين الأخضر، بحيث لا تقتصر على قياس الانبعاثات الكربونية، بل تشمل تقييم التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للمشروعات على المياه والنظم البيئية.

واقترح الباحثون اعتماد مؤشرين أساسيين؛ الأول هو «مؤشر استدامة المياه» (Water Sustainability Index)، لتقييم مدى توافق استهلاك المشروعات مع قدرة الموارد المائية المحلية على التجدد والتحمل، والثاني هو مقياس لتقييم تأثير ملوحة مياه الصرف الناتجة عن المشروعات على الحياة البحرية.

وشددت الدراسة على ضرورة ألا تحصل المشروعات على تصنيف «أخضر» إذا تجاوز استهلاكها من المياه الكميات التي تستطيع البيئة المحلية توفيرها دون الإضرار بتوازنها الطبيعي.

كما أوصت بأن تتعاون مصانع الهيدروجين المستقبلية مع المدن المجاورة لإعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة، ثم إخضاعها لعمليات تنقية إضافية لتصبح صالحة للاستخدام في إنتاج الهيدروجين.

ومن شأن هذا التوجه تقليل المنافسة على المياه العذبة بين المصانع والمجتمعات المحلية والأنشطة الزراعية والنظم البيئية، فضلًا عن تجنب إنتاج كميات إضافية من المحلول الملحي شديد التركيز الذي تطرحه محطات تحلية مياه البحر.

واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن استقرار المناخ العالمي من خلال الطاقة النظيفة يتطلب تخطيطًا يراعي حساسية النظم البيئية، حتى لا يأتي التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري على حساب الأمن المائي واستدامة الموارد الطبيعية.

↑
Exit mobile version