يبدو أن عدد المجرات الصغيرة في الكون المبكر أقل بكثير مما توقعه العلماء، وهو اكتشاف يحمل تبعات عميقة على فهمنا لتطور الكون وبداياته الأولى. لطالما افترض علماء الفلك أن الكون في مراحله الأولى كان مكتظًا بالمجرات الصغيرة، النسخ المصغّرة من المجرات الكبيرة، التي لعبت دورًا محوريًا في نشر الضوء في العصور الأولى، ولا سيما أثناء ما يُعرف بعصر إعادة التأيين، حين انتقل الكون من حالة مظلمة إلى فضاء شفاف تعبره الأشعة.
الدراسات الحديثة، المدعومة برصد غير مسبوق من تلسكوب جيمس ويب الفضائي، تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيدًا مما كنا نعتقد؛ فالمسألة لا تتعلق بعدد هذه المجرات بقدر ما تتعلق بمدى فاعلية القليل منها.
باستخدام قدراته الفائقة على رصد الضوء الخافت القادم من أعماق الكون، تمكن تلسكوب جيمس ويب من رصد 83 مجرة صغيرة منخفضة الكتلة تعود إلى الفترة التي لم يمر على نشوء الكون فيها سوى أقل من مليار سنة. وقد أظهرت التحليلات أن نحو 20 من هذه المجرات تمر بحالات مكثفة من التكوين النجمي تُعرف بالانفجارات النجمية، وهي فترات قصيرة تُنتج خلالها كميات هائلة من النجوم في زمن قياسي.
اللافت أن هذه المجرات، رغم صغر حجمها وكتلتها، تصدر إشعاعًا فوق بنفسجي قويًا يفوق توقعات العلماء، وهو العنصر الحاسم في تفكيك ذرات الهيدروجين المحايد التي ملأت الكون في بداياته، مما يجعل هذه المجرات مرشحة بقوة للقيام بدور رئيسي في إعادة تأيين الكون.
المجرات الصغيرة منخفضة الكتلة
تُظهر البيانات أن المجرات الصغيرة منخفضة الكتلة لها خصائص فيزيائية تجعل تسرب الإشعاع المؤين منها أسهل مقارنة بالمجرات الأكبر، إذ تحتفظ بكميات أقل من غاز الهيدروجين المحيط بها، مما يقلل من امتصاص الأشعة فوق البنفسجية قبل خروجها إلى الفضاء. كما أن الانفجارات النجمية العنيفة داخل هذه المجرات تخلق قنوات وفراغات في الوسط بين النجمي، تسمح للإشعاع بالهروب والانتشار في الوسط الكوني المحيط.
عزز العلماء هذا الاستنتاج برصد إشارات ضوئية صادرة عن ذرات أكسجين فقدت إلكترونين، دليل مباشر على وجود إشعاع فوق بنفسجي شديد الطاقة، يُعتقد أنه ساهم في إزالة “ضباب” الهيدروجين الذي خيّم على الكون في أول مليار سنة من عمره.
وجود ثقوب سوداء نشطة
تشير دراسات أخرى إلى أن النشاط العنيف في بعض المجرات الصغيرة قد يرتبط أيضًا بوجود ثقوب سوداء نشطة في مراكز هذه المجرات القزمة، إذ يمكن لأصغر المجرات أن تؤوي ثقوبًا سوداء كبيرة نسبياً تطلق رياحًا قوية من الغاز وإشعاعًا عالي الطاقة، ما يفتح قنوات تسمح للأشعة فوق البنفسجية بالهروب إلى الفضاء المحيط، ويعزز قدرتها على التأثير في الوسط الكوني والمساهمة في عملية إعادة التأيين.
المقصود بالمجرات الصغيرة هنا هو فئة من المجرات القزمة منخفضة الكتلة تمر بمراحل من النشاط النجمي العنيف، تحتوي على أعداد محدودة من النجوم مقارنة بالمجرات الكبيرة مثل درب التبانة، غالبًا ما تكون غير منتظمة الشكل وذات لون أزرق ناتج عن وفرة النجوم الشابة الساخنة.
للوصول إلى هذه المجرات شديدة البعد والخفوت، اعتمد العلماء على ظاهرة العدسات الجاذبية، مستخدمين عنقود المجرات المعروف باسم “آبيل 2744” أو عنقود باندورا، إذ تعمل الكتلة الهائلة لهذا العنقود على تشويه وتكبير الضوء القادم من المجرات الواقعة خلفه، مما يسمح لتلسكوب جيمس ويب برصد مجرات تعود إلى السنوات المليار الأولى من عمر الكون.
يشير الرصد إلى أن هذا النوع من المجرات نادر جدًا في الكون القريب اليوم، إذ لا يشبهها سوى نحو 1% من المجرات المحيطة بدرب التبانة، لكنها كانت أكثر شيوعًا في العصور الأولى، حين كان الكون في طور التحول من الظلام إلى النور.
الجهة المسؤولة عن إعادة تأيين الكون
تتلاقى هذه النتائج مع دراسات أخرى تشير إلى أن عدد المجرات الصغيرة في الكون المبكر أقل مما افترضته النماذج التقليدية، إلا أن القليل منها لم يكن ضعيف التأثير، بل شديد الكفاءة في إنتاج الإشعاع المؤين.
يعيد هذا فتح النقاش حول الجهة المسؤولة عن إعادة تأيين الكون، إذ يبدو أن العملية لم تكن نتاج فئة واحدة من المجرات، بل نتيجة تفاعل معقد بين مجرات صغيرة نشطة ومجرات أكبر ساهمت جميعها بدرجات متفاوتة في جعل الكون شفافًا للضوء.
مع استمرار تلسكوب جيمس ويب في رصد المزيد من العناقيد المجرية واستخدام العدسات الجاذبية الطبيعية، يتوقع العلماء أن تتضح صورة توزيع المجرات في الكون المبكر بشكل أدق، ويبدو أن الكون الأولي، رغم أنه أقل ازدحامًا مما اعتقدنا، كان مسرحًا لعمليات فيزيائية بالغة القوة شكّلت الأساس لكل ما نراه اليوم من نجوم ومجرات وهياكل كونية.
