تحذيرات من نينيو شديد القوة قد يرفع حرارة الأرض ويزيد الكوارث المناخية

كيف سيغير السوبر نينيو الخارق خريطة الطقس العالمية؟

يتوقع خبراء المناخ أن يشهد العالم خلال النصف الثاني من عام 2026 عودة قوية لظاهرة “النينيو”، مع احتمالات متزايدة لتطورها إلى ما يُعرف بـ”النينيو الخارق” بحلول نهاية العام أو خلال عام 2027، الأمر الذي قد يترك آثارًا واسعة على درجات الحرارة وأنماط الأمطار والظواهر الجوية المتطرفة في مختلف أنحاء العالم.

وتُعد ظاهرة النينيو جزءًا من دورة مناخية طبيعية تعرف باسم “تذبذب النينيو الجنوبي” (ENSO)، وتتكون من ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة دافئة تُعرف بالنينيو، ومرحلة باردة تُعرف بالنينيا، ومرحلة محايدة تقع بينهما.

وخلال ربيع عام 2026 في نصف الكرة الشمالي، سادت الظروف المناخية المحايدة بعد انتهاء فترة من ظاهرة النينيا كانت محدودة الشدة نسبيًا، إلا أن نماذج التنبؤ المناخي قصيرة المدى تشير إلى احتمالات مرتفعة لانتقال النظام المناخي إلى مرحلة النينيو خلال الأشهر المقبلة.

ظاهرة النينيا

كيف نشأت ظاهرة النينيو؟

ترجع تسمية “النينيو” إلى صيادي الأسماك في بيرو خلال القرن التاسع عشر، الذين لاحظوا وصول تيار مائي دافئ بشكل غير معتاد إلى سواحل بيرو والإكوادور بالقرب من فترة عيد الميلاد، فأطلقوا عليه اسم “الطفل” أو “El Niño” باللغة الإسبانية.

ويحدث النينيو عندما تحل المياه الدافئة القادمة من المحيط الهادئ الاستوائي محل المياه الباردة المعتادة قبالة سواحل بيرو والإكوادور وشمال تشيلي. وترتبط هذه المياه الباردة عادة بتيار همبولت البحري الصاعد من الجنوب، إضافة إلى صعود المياه العميقة الباردة والغنية بالمغذيات نحو السطح.

وكان لهذه الظاهرة تأثير مباشر على الثروة السمكية في المنطقة، إذ تؤدي المياه الدافئة إلى تراجع أعداد أسماك الأنشوجة التي تعتمد على المياه الباردة الغنية بالعوالق النباتية.

عودة ظاهرة النينيو بنسبة 80% قبل سبتمبر، مع توقعات بزيادة موجات الحرارة والأمطار

من ظاهرة بحرية إلى نظام مناخي عالمي

في عشرينيات القرن الماضي اكتشف عالم المناخ البريطاني جيلبرت ووكر وجود علاقة بين أنماط الضغط الجوي في شرق المحيط الهادئ وغربه، فقد لاحظ أنه عندما يرتفع الضغط الجوي فوق سواحل أمريكا الجنوبية ينخفض في أستراليا وإندونيسيا، والعكس صحيح.

وأُطلق على هذه العلاقة اسم “التذبذب الجنوبي”، قبل أن يثبت عالم الأرصاد الأمريكي من أصل نرويجي جاكوب بيركنيس في ستينيات القرن الماضي وجود ارتباط وثيق بين هذا التذبذب الجوي وارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ما أدى إلى دمج الظاهرتين تحت مسمى “النينيو – التذبذب الجنوبي” (ENSO).

وعندما تضعف الرياح التجارية فوق المحيط الهادئ، تتراكم المياه الدافئة في المناطق الشرقية من المحيط بالقرب من سواحل أمريكا الجنوبية، ما يؤدي إلى نشوء ظاهرة النينيو وتغيير أنماط الطقس على مستوى العالم.

ظاهرة إل نينيو

أسوأ موجات النينيو في التاريخ الحديث

شهد العالم خلال الفترة 1982-1983 واحدة من أقوى موجات النينيو المسجلة في القرن العشرين، حيث تسببت في فيضانات واسعة على السواحل الغربية للأمريكتين وجنوب الولايات المتحدة، بالتزامن مع موجات جفاف حادة في الهند وجنوب شرق آسيا وشمال شرق البرازيل.

كما أدى الحدث نفسه إلى شتاء أكثر دفئًا من المعتاد في أجزاء واسعة من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية.

وفي أعقاب هذه الموجة القوية، لاحظ العلماء وجود مرحلة معاكسة تتسم بانخفاض درجات حرارة المياه في المحيط الهادئ الاستوائي عن معدلاتها الطبيعية، مع زيادة قوة الرياح التجارية. وأُطلق على هذه المرحلة اسم “النينيا”.

أما موجة النينيو القوية الأخرى فحدثت خلال عامي 1997 و1998، وتسببت في فيضانات مدمرة بولاية كاليفورنيا الأمريكية وحظيت بتغطية إعلامية واسعة بسبب حجم الخسائر الناجمة عنها.

فيضانات

ماذا قد يحدث إذا تطور «النينيو الخارق»؟

يتوقع الباحثون أن يؤدي ظهور نينيو شديد القوة إلى رفع متوسط درجة حرارة الأرض العالمية بمقدار عدة أعشار الدرجة فوق المستويات المتوقعة نتيجة الاحترار العالمي الحالي.

كما يُرجح أن تشهد بيرو والإكوادور وشمال تشيلي أمطارًا غزيرة قد تصل إلى مستويات استثنائية، إضافة إلى زيادة معدلات الأمطار في أجزاء من شرق أفريقيا وجنوب الولايات المتحدة ومنطقة مار ديل بلاتا في الأرجنتين.

وفي المقابل، قد تتعرض مناطق واسعة من جنوب شرق آسيا وأجزاء من أستراليا وشمال شرق البرازيل إلى موجات جفاف حادة وممتدة.

أما في منطقة البحر المتوسط، فتكون تأثيرات النينيو عادة أقل وضوحًا بسبب الخصائص الجغرافية والمناخية الخاصة بالإقليم، إلا أن الظواهر القوية جدًا قد ترتبط بارتفاع درجات الحرارة وزيادة احتمالات هطول أمطار غزيرة أو حدوث أحداث مناخية متطرفة.

الكوارث المناخية المتطرفة

ظاهرة عالمية تتجاوز المحيط الهادئ

لم تعد ظاهرة النينيو تُعد مجرد تيار بحري يؤثر في مصائد الأسماك على سواحل بيرو، بل أصبحت تُعرف اليوم باعتبارها أحد أهم أنظمة التفاعل بين الغلاف الجوي والمحيطات على كوكب الأرض.

ويؤكد العلماء أن تأثيراتها تمتد إلى آلاف الكيلومترات بعيدًا عن مصدرها الأصلي، حيث يمكن أن تؤثر في الزراعة والموارد المائية وإنتاج الغذاء والطاقة، فضلًا عن زيادة مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر في مناطق متفرقة من العالم.

ومع ترقب تطور الظروف المناخية خلال الأشهر المقبلة، يواصل الباحثون متابعة مؤشرات المحيط الهادئ بدقة لتحديد ما إذا كان العالم مقبلًا بالفعل على نينيو فائق الشدة قد يعيد رسم خريطة الطقس العالمية خلال العامين المقبلين.

Exit mobile version