هل تمنحك حديقة افتراضية استراحة ذهنية؟ دراسة تكشف استجابة غير متوقعة

الحدائق الافتراضية تفاجئ العلماء.. الدماغ يهدأ والجسم يصبح أكثر استثارة

دراسة على 32 شخصًا ترصد اختلاف استجابات الدماغ والجسم عند مشاهدة المساحات الخضراء عبر الواقع الافتراضي، وتفتح بابًا لتصميم استراحات ذهنية للعاملين في الأماكن المغلقة

هل يمكن لمشاهدة حديقة عبر نظارة واقع افتراضي أن تمنح الدماغ استراحة من ضغوط العمل، حتى عندما يتعذر الخروج إلى الطبيعة؟

تشير دراسة علمية جديدة إلى أن مشاهدة المساحات الخضراء الافتراضية قد ترتبط باستجابات متباينة في الدماغ والجسم؛ إذ انخفضت ذروة النشاط في منطقة محددة من مقدمة الدماغ أثناء مشاهدة مشاهد طبيعية وحدائق مصممة، بينما ارتفعت مؤشرات الاستثارة الفسيولوجية عند مشاهدة الحدائق الزخرفية مقارنة بغرفة داخلية خالية من النباتات.

ولا يعني هذا التباين بالضرورة أن الجسم تعرض للتوتر؛ فالاستثارة الفسيولوجية قد ترتبط أيضًا بالاهتمام والانجذاب البصري والإثارة الإيجابية. لكن الدراسة لا تحسم أيًّا من هذه التفسيرات، ولا تثبت أن مشاهدة الحديقة الافتراضية تحسن التركيز أو تعالج الإرهاق الذهني.

وتقدم النتائج، المنشورة في مجلة «Building and Environment»، مؤشرات أولية يمكن أن تساعد في تصميم استراحات افتراضية للأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة داخل المكاتب أو الأماكن التي تفتقر إلى النوافذ والمساحات الخضراء.

ماذا اختبر الباحثون؟

قاد الدراسة الباحث كيفن إل. راميريز تشافيز، الباحث في مرحلة الدكتوراه بجامعة دريكسل الأمريكية، بالتعاون مع حسن عياز، الأستاذ بالجامعة والمؤلف الرئيسي للدراسة.

وشارك في التجربة 32 شخصًا بالغًا يتمتعون بصحة جيدة، بلغ متوسط أعمارهم نحو 25 عامًا. وجلس المشاركون لمشاهدة خمسة مشاهد مصورة بتقنية الواقع الافتراضي من حدائق لونجوود في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.

وشملت المشاهد خمسة أنواع من البيئات:

واحتوت التسجيلات على صور وأصوات، وكان بإمكان المشاركين تحريك رؤوسهم لاستكشاف المكان بصريًا، بينما استمر عرض كل مشهد ست دقائق.

واستخدم الباحثون أجهزة استشعار لقياس مؤشرات فسيولوجية أثناء المشاهدة، ثم قارنوا النتائج بين البيئات المختلفة. واستُبعدت بيانات أحد المشاركين بسبب الحركة المفرطة، التي أثرت في جودة القياسات.

الحدائق الافتراضية

ماذا حدث في الدماغ عند مشاهدة المساحات الخضراء؟

استخدم الباحثون جهازًا يوضع على الجبهة ويعتمد على الضوء لقياس التغيرات في مستويات الأكسجين بالدم، وهي طريقة تتيح تقدير التغيرات في النشاط بمنطقة محدودة من القشرة الدماغية القريبة من سطح الرأس.

وأظهرت القياسات أن ذروة النشاط في هذه المنطقة الأمامية كانت أقل أثناء مشاهدة مشاهد الغابة والمرج والحدائق الزخرفية مقارنة بالغرفة الخالية من النباتات.

ولم يظهر فرق واضح بين الحدائق المصممة والمساحات الخضراء الطبيعية في هذا المؤشر.

وترتبط المنطقة التي جرى قياسها بعدد من العمليات الذهنية، من بينها بعض أشكال التفكير الداخلي والتأمل في الذات.

واقترح الباحثون أن الغرفة البسيطة ربما تركت للمشاركين مساحة أكبر للانشغال بأفكارهم الداخلية، في حين جذبت المشاهد الخضراء انتباههم إلى عناصر البيئة المحيطة.

لكن هذا التفسير يظل فرضية؛ فالجهاز لا يستطيع تحديد الأفكار التي تدور في أذهان المشاركين، كما أن انخفاض النشاط في منطقة واحدة لا يعني أن الدماغ كله دخل حالة من الراحة، أو أن التعب الذهني انخفض بالفعل.

الحدائق الزخرفية ترفع استثارة الجسم

لم تتوقف التجربة عند نشاط الدماغ؛ فقد ارتدى المشاركون أيضًا جهازًا على المعصم يقيس التوصيل الكهربائي للجلد، وهو مؤشر يتغير مع نشاط الغدد العرقية ويُستخدم لتقدير بعض أشكال الاستثارة الفسيولوجية.

وكانت القراءات أعلى عند مشاهدة الحدائق الزخرفية، وأقل عند مشاهدة الغرفة الداخلية، بينما جاءت مشاهد الغابة والمرج بينهما.

ومع ذلك، كان الفرق ذا دلالة إحصائية فقط عند مقارنة الحدائق الزخرفية بالغرفة الخالية من النباتات.

ولا يمكن تفسير هذه النتيجة باعتبارها دليلًا على أن الحدائق تسببت في التوتر؛ فارتفاع التوصيل الكهربائي للجلد قد يصاحب الانفعال الإيجابي أو الاهتمام أو التوتر، ولا يميز هذا القياس وحده بين هذه الحالات.

كما لم تسجل الدراسة فروقًا واضحة في معدل ضربات القلب أو في مؤشرين للتغير في الفواصل الزمنية بين ضربات القلب.

وتشير النتائج إلى أن استجابة الجسم للطبيعة الافتراضية أكثر تعقيدًا من فكرة أن جميع المؤشرات الفسيولوجية يجب أن تنخفض عندما يشعر الإنسان بالراحة.

الحدائق الافتراضية

لماذا بدت الحدائق ممتعة ومثيرة للاهتمام في الوقت نفسه؟

ساعدت تقييمات المشاركين الذاتية في تفسير جانب من النتائج؛ إذ صنفوا البيئات الخضراء، سواء الطبيعية أو المصممة، على أنها أكثر إثارة للاهتمام وأكثر راحة من الغرفة العادية.

وفي الوقت نفسه، سجلت الحدائق الزخرفية أعلى تقييمات من حيث الشعور بالارتباك أو التشتت البصري.

ويشير ذلك إلى احتمال اجتماع صفتين في التجربة نفسها: الشعور بالراحة من جهة، والانجذاب إلى التفاصيل المرئية من جهة أخرى.

فالحديقة المصممة بعناية قد تقدم للمشاهد ألوانًا ونباتات وتفاصيل متعددة تستحوذ على الانتباه، من دون أن تكون بالضرورة مصدرًا للانزعاج.

ووصف الباحثون هذا النمط بصورة أولية بأنه «الانجذاب المصحوب بالاستثارة»؛ أي حالة تجمع بين الاهتمام بالمشهد والاستجابة الفسيولوجية، مع الشعور بأن البيئة مريحة.

لكن هذا الوصف يمثل تفسيرًا مقترحًا للنتائج، وليس آلية نفسية ثبتت صحتها بصورة نهائية.

هل تصبح الحدائق الافتراضية بديلًا عن الطبيعة في أماكن العمل؟

تفتح الدراسة الباب أمام سؤال عملي مهم: هل يمكن استخدام مشاهد الطبيعة الافتراضية لتوفير استراحات قصيرة للأشخاص الذين يعملون في غرف مغلقة أو يقضون فترات طويلة أمام الشاشات؟

يقترح الباحثون، أن فهم الاستجابات المختلفة للمشاهد الطبيعية قد يساعد مستقبلًا في تصميم فترات راحة افتراضية تستهدف تخفيف الإرهاق المعرفي لدى الأشخاص الذين لا تتاح لهم فرصة الوصول إلى المساحات الخضراء بسهولة.

وتستند هذه الفكرة إلى أن بعض البيئات الطبيعية قد تجذب الانتباه بطريقة لا تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا، وهو ما قد يوفر للمستخدم تجربة بصرية مريحة بعيدًا عن المهام اليومية.

لكن التجربة الحالية لم تختبر أداء المشاركين في مهام التركيز بعد مشاهدة الحدائق، ولم تقِس ما إذا كانوا قد أصبحوا أقل إرهاقًا أو أكثر قدرة على العمل.

لذلك، لا يمكن الجزم بأن ست دقائق من مشاهدة حديقة افتراضية تحسن الإنتاجية أو الذاكرة أو المزاج، كما لا تحدد الدراسة مدة الاستراحة المثالية أو المشاهد التي تحقق أفضل النتائج.

الحدائق الافتراضية

لماذا لا تعادل الحديقة الافتراضية حديقة حقيقية؟

رغم الإمكانات الواعدة للتقنية، فإن المشاهد الافتراضية لا تنقل جميع عناصر التجربة الطبيعية.

فنظارة الواقع الافتراضي قد تقدم الصور والأصوات، لكنها لا تعيد إنتاج النسيم والروائح ودرجة الحرارة والإحساس المباشر بالمكان والتفاعل مع النباتات.

كما أن قياسات الدماغ اقتصرت على منطقة محدودة قريبة من سطح الرأس، ولم تقدم صورة شاملة عن نشاط الدماغ بأكمله.

وشملت التجربة عددًا صغيرًا نسبيًا من المشاركين، معظمهم من الشباب، وشاهد كل مشارك كل بيئة مرة واحدة فقط لمدة ست دقائق. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت الاستجابات نفسها ستتكرر مع الاستخدام اليومي، أو ما إذا كانت ستؤدي إلى تغييرات مستمرة في الانتباه أو المزاج أو السلوك.

وأفصح الباحث حسن عياز أيضًا عن امتلاكه حصة في شركة مرتبطة بجهاز القياس المستخدم في الدراسة، وهي معلومة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم البحث، إلى جانب تصميم التجربة وحجم العينة وحدود أدوات القياس.

ما الخطوة التالية؟

زيقترح الباحثون إجراء تجارب تفصل بين خصائص المشاهد المختلفة، مثل كثافة التفاصيل البصرية وتوزيع النباتات وطبيعة التصميم، لمعرفة العناصر التي تقف وراء الاستجابات المرصودة.

كما يمكن أن تساعد القياسات المباشرة للانتباه والأداء الذهني، قبل مشاهدة المشاهد الافتراضية وبعدها، في تحديد ما إذا كانت هذه التجارب تقدم استراحة ذهنية مفيدة بالفعل.

وستكون مقارنة التأثيرات قصيرة الأجل وطويلة الأجل ضرورية أيضًا، إلى جانب اختبار النتائج لدى فئات عمرية ومهنية مختلفة.

الحدائق الافتراضية

الخلاصة

لا تتصرف استجابة الدماغ والجسم عند مشاهدة الطبيعة الافتراضية بطريقة واحدة؛ فقد ينخفض مؤشر النشاط في منطقة دماغية محددة بينما ترتفع استثارة الجسم، خصوصًا أمام الحدائق الغنية بالتفاصيل.

وتوفر الدراسة نقطة انطلاق لفهم كيفية تصميم استراحات افتراضية أكثر فائدة، لكنها لا تثبت بعد أن هذه التجارب تقلل الإرهاق الذهني أو تحل محل فوائد قضاء الوقت في الطبيعة الحقيقية.

↑
Exit mobile version