قمة بكين تكشف تحولات الصراع الأمريكي الصيني من التجارة إلى الذكاء الاصطناعي
قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة والصين تبحثان إنشاء «مجلس للاستثمار» قد يسمح للشركات الصينية بالاستثمار في قطاعات غير حساسة داخل الولايات المتحدة، في وقت أكد فيه أن بكين تمتلك مصلحة كبيرة في إعادة فتح مضيق هرمز.
وأوضح بيسنت، خلال مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» من بكين بُثت اليوم الخميس، أن هناك «الكثير من المجالات التي يمكن للصينيين الاستثمار فيها»، لكنه رفض تأكيد ما إذا كانت لدى بكين خطط لاستثمار تريليون دولار أو أكثر داخل السوق الأمريكية.
وأضاف، أن واشنطن تسعى إلى ضمان عدم إحالة هذه الاستثمارات إلى لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة، وهي الجهة المسؤولة عن مراجعة الصفقات المرتبطة بمخاطر الأمن القومي، والتي يرأسها بيسنت نفسه.
وأشار إلى أن المجلس المقترح يمكن أن يتولى فحص الاستثمارات مسبقًا للتأكد من عدم ارتباطها بقطاعات استراتيجية أو حساسة.
وذكرت وكالة بلومبيرج، أن «مجلس التجارة» الذي جرى الإعلان عنه سابقًا لا يزال قيد التفاوض أيضًا، موضحة أن إحدى الأفكار المطروحة تتمثل في إزالة الرسوم الجمركية عن تجارة تصل قيمتها إلى نحو 30 مليار دولار في «قطاعات غير حيوية» لا تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة توطينها.
محادثات بكين
ووصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين في وقت متأخر من مساء الأربعاء لإجراء محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينج، تتناول ملفات عدة، من بينها مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان، وأزمة الطاقة الناتجة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز، إضافة إلى الهدنة الجمركية بين أكبر اقتصادين في العالم، بحسب بلومبيرج.
وأشارت الوكالة إلى أن اليوم الأول الكامل من القمة انتهى بتعبيرات تفاؤل من الجانبين بشأن إمكانية تثبيت العلاقات التجارية بين البلدين لفترة أطول.
وفي السياق ذاته، أكد بيسنت أن الصين ستكون من أكبر المستفيدين من إعادة فتح مضيق هرمز، موضحًا أنه يتوقع أن تبذل بكين «كل ما في وسعها» لإعادة فتح الممر المائي، وأن تعمل من خلف الكواليس مع الأطراف المؤثرة على القيادة الإيرانية.
هل تضحي الصين بالنفط الإيراني؟
تتجه الأنظار إلى بكين حيث تعقد القمة الأمريكية الصينية وسط تصاعد تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط والغاز العالمية، في وقت تصدر فيه ملف الطاقة أجندة النقاش بين أكبر اقتصادين في العالم.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو 55% من واردات الصين النفطية، إضافة إلى ربع احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل بكين حريصة على الدفع نحو تسوية الأزمة سريعًا.
كما أدى تعطل الإمدادات إلى زيادة الضغوط على الصين باعتبارها أكبر مستورد للنفط عالميًا، مع ارتفاع أسعار الطاقة وصعوبة إيجاد بدائل مناسبة للكميات المتضررة من الأزمة.
وفي المقابل، تسعى واشنطن إلى استغلال القمة للضغط على بكين من أجل تقليص مشترياتها من النفط الإيراني، ضمن مساعيها لتجفيف أحد أهم مصادر التمويل لطهران.
وتُعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني، بعدما اشترت خلال العام الماضي نحو مليون و400 ألف برميل يوميًا في المتوسط، بما يمثل قرابة 90% من صادرات إيران النفطية.
وفي الوقت نفسه، يبرز ملف واردات الصين من النفط والغاز الأمريكيين كأحد المحاور الأساسية في المفاوضات، إذ تحاول واشنطن إقناع بكين باستئناف شراء الطاقة الأمريكية بعد توقف واردات النفط الأمريكي إلى الصين منذ منتصف العام الماضي، على خلفية التوترات التجارية والحرب الجمركية بين البلدين.
وكانت واردات الصين من النفط الأمريكي قد بلغت ذروتها عام 2023 عند نحو نصف مليون برميل يوميًا، قبل أن تتراجع تدريجيًا وصولًا إلى التوقف الكامل. كما بلغت قيمة واردات الصين من النفط والغاز الطبيعي المسال الأمريكي نحو 8.4 مليار دولار خلال عام 2024.
ويطمح الرئيس الأمريكي، بحسب مراقبين، إلى إعادة هذه الأرقام إلى مستوياتها السابقة، في محاولة لتقليص الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة، الذي بلغ منذ بداية العام الجاري نحو 87 مليار دولار.
لا شروط على الدول
من جانبه، قال الباحث في جامعة تشيانج الصينية شين شيوي، إن بلاده لا تضغط على أي دولة للقبول بشروط لا ترغب بها، مؤكدًا أن بكين تنطلق من احترام المخاوف الأمنية لجميع الأطراف، سواء إيران أو دول الخليج، وترى أن الأمن المشترك هو الضامن للاستقرار بعيدًا عن التدخل العسكري.
وأضاف أن مضيق هرمز كان مفتوحًا قبل الهجمات الأمريكية على إيران، معتبرًا أن التصعيد العسكري هو ما أدخل المنطقة في حالة «فوضى».
بدوره، قال الباحث في مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية بطهران، عباس أصلاني، إن واشنطن تحاول إقناع الصين بالضغط على إيران بشأن مضيق هرمز، إلى جانب دفعها لتقليص مشترياتها من النفط الإيراني لزيادة الضغوط الاقتصادية على طهران.
لكنه أكد أن إيران لم تلمس حتى الآن أي تغيير في الموقف الصيني، معتبرًا أن بكين تنظر إلى الضغوط الأمريكية على إيران باعتبارها نموذجًا قد يُستخدم لاحقًا ضد الصين نفسها في ملفات مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان.
وأضاف أصلاني، أن إيران لا تتراجع تحت الضغط، بل تزيد من تشدد مواقفها خلال الحروب، لأنها تعتبر أي تراجع «نقطة ضعف»، مؤكدًا أن طهران ترى في المطالب الأمريكية الحالية محاولة لفرض الاستسلام الكامل.
النفط الأمريكي بديلًا عن الإيراني؟
وفي ملف الطاقة، استبعد شين شيوي أن تستبدل الصين النفط الإيراني بالنفط الأمريكي بشكل كامل، موضحًا أن بكين تعتمد سياسة تنويع مصادر الطاقة، وتستورد النفط والغاز من الولايات المتحدة ودول الخليج وإيران في الوقت نفسه.
من جهته، رأى خبير الأمن والإستراتيجية العسكرية في مؤسسة «ويكسترات» ريتشارد وايتز أن شراء الصين النفط الأمريكي قد يكون جزءًا من «صفقة أوسع» تشمل تخفيف الرسوم الجمركية والسماح للصين بالحصول على مزيد من التكنولوجيا الأمريكية والرقائق الإلكترونية.
أما عباس أصلاني، فاعتبر أن اعتماد الصين على النفط القادم عبر مسارات تهيمن عليها الولايات المتحدة قد يشكل «فخًا إستراتيجيًا» لبكين، مشيرًا إلى أن إيران تواصل البحث عن بدائل تجارية وممرات تصدير جديدة للتخفيف من آثار العقوبات والحصار البحري.
حرب الرقائق في قلب القمة
ولم تكن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين مجرد محطة دبلوماسية، بل تحولت إلى اختبار اقتصادي حرج يتعلق بمستقبل العلاقات التجارية والاستثمارية والتكنولوجية بين أكبر اقتصادين في العالم.
واصطحب ترمب معه عددًا من كبار التنفيذيين الأمريكيين، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جينسن هوانج، والرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبيس إكس» إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك، في إشارة واضحة إلى أن الملفات الاقتصادية والتكنولوجية جاءت في صدارة القمة.
وبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، أكد الرئيس الصيني شي جين بينج خلال لقائه رجال الأعمال الأمريكيين أن «أبواب الصين ستواصل الانفتاح بشكل أوسع»، مرحبًا بتوسيع التعاون الاقتصادي مع الولايات المتحدة.
لكن خلف هذا الخطاب التصالحي، تواجه إدارة ترمب معضلة معقدة تتعلق بما إذا كانت ستخفف القيود المفروضة على صادرات الرقائق المتقدمة إلى الصين حفاظًا على مصالح الشركات الأمريكية، أم ستواصل سياسة التشدد حتى لو أدى ذلك إلى تسريع بناء الصين منظومة تكنولوجية مستقلة بالكامل.
إنفيديا في قلب المواجهة
ووفقًا لتقرير لوكالة رويترز، وافقت الولايات المتحدة مؤخرًا على بيع رقائق «إتش 200» المتقدمة من شركة «إنفيديا» إلى نحو 10 شركات صينية، من بينها «علي بابا» و«تينسنت» و«بايت دانس» و«جيه دي دوت كوم»، رغم استمرار القيود التنظيمية والتدقيق الأمني.
وتعكس هذه الخطوة حجم الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب من قطاع التكنولوجيا الأمريكي، خصوصًا أن السوق الصينية كانت من أهم أسواق «إنفيديا» في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
ومع تصاعد القيود الأمريكية خلال السنوات الماضية، اضطرت الشركة إلى تطوير نسخ أقل تطورًا من رقائقها لتتوافق مع متطلبات التصدير إلى الصين، مثل «إتش 20» و«إتش 200».
لكن هذه الاستراتيجية بدأت تفقد فعاليتها تدريجيًا، بعدما كشفت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» أن بكين فتحت تحقيقًا أمنيًا بشأن رقائق «إتش 20»، ما أدى فعليًا إلى تجميد استيرادها.
وفي الوقت نفسه، بدأت شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تسريع انتقالها إلى البدائل المحلية، إذ أعلنت شركة «ديب سيك» في أبريل الماضي اعتمادها على رقائق «هواوي» بدلًا من منتجات «إنفيديا»، في خطوة تعكس تسارع جهود الصين لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية.
وكان جينسن هوانج قد حذر سابقًا من أن دفع الصين نحو تطوير منظومتها المحلية بالكامل سيكون «نتيجة مروعة» بالنسبة للولايات المتحدة.
