ابتكار هندسي يقلل استخدام الخرسانة إلى النصف دون التأثير على قوة المباني

بلاطات خرسانية ذكية تخفض استهلاك الأسمنت 50% وتدعم البناء منخفض الكربون

طور باحثون في جامعة فيينا للتكنولوجيا (TU Wien)، بالتعاون مع شركاء صناعيين، تقنية رقمية جديدة لإنتاج بلاطات خرسانية مسلحة محسّنة قادرة على تقليل استهلاك الخرسانة بنسبة تصل إلى 50%، مع الحفاظ على القدرة الإنشائية نفسها، في خطوة قد تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية لقطاع البناء، أحد أكبر القطاعات استهلاكًا للمواد الخام عالميًا.

وتعتمد التقنية الجديدة على الدمج بين التحسين الطوبولوجي (Topology Optimization) والتصنيع الرقمي المؤتمت، ما يسمح باستخدام الخرسانة فقط في المناطق التي تتحمل الأحمال الإنشائية، والاستغناء عن الكميات غير الضرورية.

قطاع البناء أمام تحدٍ مناخي

تشير الدراسة إلى أن البلاطات الخرسانية المستخدمة في المباني السكنية والتجارية تمثل ما يصل إلى 60% من إجمالي حجم الخرسانة في المبنى.

ومع مسؤولية صناعة الأسمنت عن نحو 8% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، فإن أي خفض في كمية الخرسانة المستخدمة ينعكس مباشرة على تقليل البصمة الكربونية لقطاع التشييد.

استخدام الخرسانة في الأماكن الضرورية فقط

الخرسانة

وأوضح توبياس هوبر، الباحث في وحدة أبحاث الخرسانة الإنشائية بجامعة TU Wien، أن الخرسانة تظل مادة بناء ممتازة، لكن استخدامها يجب أن يصبح أكثر كفاءة.

وأضاف أن الهدف يتمثل في وضع المادة الإنشائية فقط في الأماكن التي تحتاج إليها الأحمال، بدلاً من استخدام بلاطات خرسانية صلبة ومسطحة تحتوي على كميات كبيرة من الخرسانة لا تسهم فعليًا في تحمل الأحمال.

خوارزميات تحدد الشكل الأمثل

يعتمد المشروع، المعروف باسم TOPS، على خوارزميات رياضية متقدمة تحلل توزيع القوى داخل البلاطة الخرسانية، ثم تحدد بدقة الأماكن التي يجب أن تحتوي على الخرسانة، والأماكن التي يمكن إزالة المادة منها دون التأثير على السلامة الإنشائية.

وينتج عن ذلك تصميمات عضوية ذات أضلاع خرسانية تتبع مسارات انتقال الأحمال، بدلاً من البلاطات التقليدية متجانسة السمك.

ورغم أن أنظمة الأرضيات المضلعة معروفة منذ سنوات، فإن التصميمات الجديدة تحقق وفورات أكبر في المواد، لكنها كانت غير قابلة للتنفيذ اقتصاديًا باستخدام وسائل البناء التقليدية.

تصنيع رقمي بالكامل

لا يقتصر الابتكار على التصميم فقط، بل يشمل أيضًا عملية التصنيع، فقد طور الباحثون نظامًا رقميًا متكاملًا يعرف باسم “من الملف إلى المصنع” (File-to-Factory)، حيث تنتقل بيانات التصميم مباشرة إلى خطوط الإنتاج دون تدخل يدوي.

ويشمل ذلك تصنيع:

• قوالب الصب باستخدام ماكينات التحكم الرقمي (CNC) .
• شبكات التسليح بواسطة روبوتات لحام آلية.

ويؤكد الباحثون أن هذه السلسلة الرقمية تقلل الأخطاء، وتسرع الإنتاج، وتجعل تنفيذ الأشكال الهندسية المعقدة ممكنًا بتكلفة اقتصادية.

اختبارات ناجحة على نماذج حقيقية

للتأكد من كفاءة التقنية، أنتج فريق البحث نموذجين بالحجم الحقيقي، ثم أخضعهما لاختبارات تحميل ومقارنات مع البلاطات الخرسانية التقليدية.

وشملت الاختبارات قياس:
• قدرة التحمل.
• مقدار الانحناء.
• الأداء الإنشائي تحت الأحمال.

وأظهرت النتائج أن البلاطات الجديدة حققت توفيرًا كبيرًا في المواد مع الحفاظ على جميع المتطلبات الإنشائية، ما يؤكد إمكانية تطبيقها عمليًا وليس فقط في النماذج الحاسوبية.

تطبيقات واسعة في المباني متعددة الطوابق

يرى الباحثون أن التقنية ستكون أكثر فائدة في:
• المباني الإدارية.
• المجمعات التجارية.
• الأبراج متعددة الطوابق.
• المنشآت ذات البحور الواسعة.
إذ يمكن إعادة استخدام قوالب الصب عدة مرات، ما يجعل التكلفة الاقتصادية أكثر جدوى في المشروعات الكبيرة.

خطوة نحو إزالة الكربون من قطاع البناء

ازالة الكربون

يؤكد فريق البحث أن المشروع يمثل نموذجًا لكيفية توظيف التقنيات الرقمية في تطوير هياكل إنشائية أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للموارد.

كما يبرز أهمية الجمع بين التصميم الهندسي الذكي والتصنيع الآلي لتحقيق هدفين في وقت واحد: تقليل استهلاك الخرسانة وخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بصناعة الأسمنت، بما يدعم التحول نحو قطاع بناء أكثر استدامة في العقود المقبلة.

Exit mobile version