علماء يحولون أحد أصعب أنواع البلاستيك في إعادة التدوير إلى زيت تشحيم عالي الأداء للمحركات

من نفايات البلاستيك إلى زيت المحركات.. علماء يحولون PVC صعب التدوير إلى مادة عالية الأداء

في الوقت الذي تتراكم فيه كميات هائلة من النفايات البلاستيكية التي يصعب إعادة تدويرها، توصل علماء في Virginia Tech إلى طريقة جديدة لتحويل أحد أكثر أنواع البلاستيك تعقيدًا، وهو كلوريد البوليفينيل (PVC)، إلى مادة تدخل في تصنيع زيوت التشحيم عالية الأداء، بما في ذلك زيوت محركات السيارات والمعدات.

وتفتح هذه التقنية مسارًا مختلفًا للتعامل مع نفايات PVC؛ فبدلًا من محاولة إعادة تشكيل البلاستيك إلى منتج بلاستيكي جديد، يقوم الباحثون بتفكيك سلاسله الكيميائية وتحويلها إلى جزيئات يمكن استخدامها لإنتاج بولي ألفا أوليفين (Polyalphaolefin – PAO)، وهو مكون مهم في تركيبات زيوت التشحيم عالية الأداء.

ويقول الباحثون إن هذه العملية يمكن أن تعالج مشكلتين بيئيتين في الوقت نفسه: النفايات البلاستيكية صعبة التدوير، والحاجة إلى إنتاج مواد التشحيم الصناعية بطريقة أكثر استدامة.

ونُشرت الدراسة في الخامس من أغسطس بدورية Nature.

لماذا يمثل PVC مشكلة في إعادة التدوير؟

يستخدم PVC على نطاق واسع في المنتجات اليومية والصناعية، بما في ذلك أنابيب المياه، وهياكل النوافذ، وبعض البطاقات البلاستيكية، وغيرها من المنتجات.

لكن هذا النوع من البلاستيك يختلف عن كثير من أنواع البوليمرات الأخرى بسبب احتوائه على الكلور، إضافة إلى إمكانية احتوائه على مجموعة متنوعة من الإضافات الكيميائية بحسب المنتج وطريقة تصنيعه.

وتجعل هذه التركيبة التعامل مع نفايات PVC وإعادة تدويرها أكثر تعقيدًا.

ولهذا السبب ينتهي جزء كبير من نفايات PVC في مدافن النفايات بدلًا من إعادة إدخاله في دورة إنتاج جديدة ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.

المشكلة لا تتعلق بحجم النفايات وحده؛ فإنتاج المواد البلاستيكية واستخراج المواد الخام ومعالجتها واستخدامها والتخلص منها كلها ترتبط باستهلاك الموارد والطاقة وآثار بيئية مختلفة.

من البلاستيك المهمل إلى مادة تدخل في زيت المحرك

بدأ فريق الكيميائي والمهندس الكيميائي Guoliang “Greg” Liu في Virginia Tech من سؤال بسيط: هل يمكن تحويل PVC المهمل إلى مادة ذات قيمة أعلى بدلًا من مجرد إعادة تدويره إلى منتج بلاستيكي آخر؟

وتوصل الفريق إلى عملية كيميائية تبدأ بوضع PVC في مذيب، ثم إضافة كلوريد الألومنيوم (Aluminum trichloride) وألفا أوليفينات (Alpha olefins).

ويُسخن الخليط إلى نحو 158 درجة فهرنهايت، أي قرابة 70 درجة مئوية، لمدة ثلاث ساعات.

وبعد انتهاء التفاعل، يستخلص الباحثون من المذيب مادة زيتية كثيفة نسبيًا يمكن استخدامها كمادة تشحيم.

والفكرة الأساسية هنا ليست الحفاظ على بنية PVC كما هي، وإنما تفكيك سلاسل البوليمر إلى أجزاء أصغر وإعادة توجيه نواتجها كيميائيًا نحو مواد ذات خصائص مناسبة للتشحيم.

من مادة لزجة إلى فرصة صناعية

لم تبدأ التجارب بالنتيجة التي كان الفريق يبحث عنها، في المراحل الأولى، حاول العلماء تعديل جزيئات PVC وتحويلها إلى مواد أخرى عن طريق استبدال ذرات الكلور بمجموعات كيميائية مختلفة.

لكن المواد الناتجة بقيت طرية ولزجة ولم تحقق مستوى الأداء المطلوب.

وهنا حدث التحول في طريقة التفكير، فبدلًا من محاولة تحويل PVC إلى بوليمر جديد، اقترح Liu الاستمرار في تكسير السلاسل البوليمرية إلى مقاطع وجزيئات أصغر.

ومع استمرار الفريق في تفكيك PVC وتكوين جزيئات جديدة وفحص خصائص المواد الناتجة، اكتشف الباحثون أن الناتج يمكن أن يكون أكثر قيمة من مجرد مادة معاد تدويرها بالمعنى التقليدي.

لقد أصبح الهدف هو إنتاج مادة تشحيم ذات أداء مرتفع.

لماذا تحتاج المحركات إلى هذه المواد؟

قد تبدو زيوت التشحيم مادة ثانوية مقارنة بالمحرك نفسه، لكنها تؤدي دورًا أساسيًا في تشغيل الآلات.

فزيوت المحركات والمواد المشابهة تساعد على تقليل الاحتكاك والتآكل بين الأجزاء المتحركة، وتستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات، من جزازات العشب والسيارات إلى المعدات الصناعية ومحركات الطائرات.

وبالتالي، فإن إنتاج مادة تشحيم عالية الأداء من نفايات بلاستيكية يفتح مجالًا لما يمكن وصفه بـإعادة التدوير الارتقائي (Upcycling)، حيث لا تكون النتيجة مجرد إعادة استخدام المادة في منتج أقل قيمة، بل تحويلها إلى مادة كيميائية صناعية ذات استخدام مختلف وقيمة أعلى.

ما هو البولي ألفا أوليفين؟

المادة التي استهدفها الفريق هي البولي ألفا أوليفين (PAO)، وهي عائلة من المواد الهيدروكربونية الاصطناعية المستخدمة على نطاق واسع في تطبيقات التشحيم عالية الأداء.

وتكمن أهمية PAO في خصائصه التي تجعله مناسبًا لتركيبات زيوت التشحيم التي تعمل في ظروف تشغيل قاسية، حيث يحتاج النظام إلى تقليل الاحتكاك وحماية الأجزاء الميكانيكية.

ومن هنا تأتي أهمية البحث: بدلًا من النظر إلى PVC باعتباره نفاية يجب التخلص منها أو إعادة تشكيلها، يحاول العلماء استخراج قيمة كيميائية جديدة منه يمكن توظيفها في قطاع صناعي مختلف تمامًا.

اختبار الزيت في مختبرات مستقلة

لم يكتفِ فريق Virginia Tech بإنتاج المادة الجديدة وفحصها داخل مختبره.

أرسل الباحثون عينات إلى فريق Ali Erdemir في جامعة Texas A&M لإجراء اختبارات على المواد الناتجة وتقييم خصائصها.

كما تعاون Liu مع William Goddard في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) لإجراء حسابات ودراسات كيميائية تساعد في فهم التفاعلات التي تحدث أثناء العملية.

وشارك الباحث Xi Chen من Virginia Tech في تحليل الجوانب الاقتصادية والإنتاجية للتقنية، من خلال بناء نماذج تستكشف إمكانية تصنيع زيت التشحيم الناتج على نطاق أكبر.

وهذا الجانب مهم لأن نجاح التفاعل داخل المختبر لا يعني تلقائيًا أن العملية أصبحت جاهزة للإنتاج الصناعي.

من إعادة تدوير البلاستيك إلى إعادة تدوير الكربون

الابتكار يحمل أيضًا فكرة أوسع من مجرد معالجة PVC، ففي عملية إعادة التدوير التقليدية، غالبًا ما يكون الهدف إعادة المادة إلى منتج مشابه أو الحفاظ على أكبر قدر ممكن من بنيتها الأصلية.

أما في إعادة التدوير الكيميائي أو الترقية الكيميائية للنفايات البلاستيكية، فيمكن تفكيك البوليمر إلى وحدات أو مركبات أصغر ثم استخدامها كمواد أولية لصناعة مواد جديدة.

وهذا النهج يمكن أن يكون مهمًا خصوصًا مع أنواع البلاستيك التي يصعب التعامل معها بالطرق الميكانيكية التقليدية.

وفي حالة PVC، يصبح التخلص من تعقيد المادة الكيميائي جزءًا أساسيًا من الحل: بدل محاولة إبقاء البلاستيك كما هو، يجري تفكيكه وإعادة بناء قيمته في صورة مادة كيميائية مختلفة.

البحث امتداد لسلسلة من تجارب تحويل البلاستيك إلى مواد مفيدة

المشروع الجديد لم يأتِ من فراغ، فريق Liu سبق أن نشر أبحاثًا في دوريتي Science وNature Sustainability حول تحويل أنواع أخرى من النفايات البلاستيكية إلى مواد خافضة للتوتر السطحي (Surfactants)، وهي مواد تدخل في منتجات مثل الصابون والمنظفات.

وبعد تطوير تلك المسارات الكيميائية، اتجه الفريق إلى سؤال أكثر صعوبة: هل يمكن تطبيق فكرة إعادة التدوير الارتقائي على PVC؟

وكانت الإجابة التي توصل إليها البحث الجديد هي إمكانية تحويله إلى مواد يمكن استخدامها في مجال التشحيم.

التحدي الآن: هل يمكن إنتاجه على نطاق صناعي؟

النتيجة العلمية لا تعني أن كل نفايات PVC يمكن تحويلها فورًا إلى زيت محركات.

فالخطوة التالية هي معرفة مدى قدرة العملية على التعامل مع أنواع مختلفة من نفايات PVC، خصوصًا أن تركيب البلاستيك التجاري قد يختلف باختلاف المنتج والإضافات المستخدمة فيه.

كما أن الانتقال من تفاعل مخبري إلى منشأة صناعية يتطلب تقييم استهلاك الطاقة والمذيبات والمواد الكيميائية، وكفاءة استرداد المنتجات، والتكلفة، وإدارة المخلفات الثانوية، إضافة إلى اختبار جودة المنتج واستقراره على المدى الطويل.

ولهذا يعمل الفريق على تطوير العملية بحيث تصبح أكثر استدامة وأكثر قابلية للتوسع.

اقتصاد دائري يبدأ من النفايات وينتهي بمنتج مرتفع القيمة

تكشف هذه الدراسة عن اتجاه متزايد في أبحاث البلاستيك: عدم التعامل مع النفايات باعتبارها نهاية دورة المنتج، وإنما باعتبارها مادة خام محتملة لمنتج جديد.

وفي هذه الحالة، لا تعود قيمة PVC مرتبطة بإعادة استخدامه كقطعة بلاستيكية أخرى، بل بالمركبات الكيميائية التي يمكن استخلاصها منه وإعادة توظيفها.

وإذا أثبتت التقنية جدواها الاقتصادية والبيئية عند التوسع، فقد تفتح الباب أمام مسار جديد للتعامل مع أحد أنواع البلاستيك الأكثر صعوبة في إعادة التدوير، وفي الوقت نفسه تقلل الاعتماد على بعض المواد الخام المستخدمة في إنتاج مواد التشحيم.

ويختصر Greg Liu هدف فريقه في الوصول إلى إنتاج الزيت على نطاق أكبر حتى يمكن استخدامه على نطاق أوسع.

وهنا تكمن الفكرة الأهم في الابتكار: النفايات التي كانت تمثل عبئًا بيئيًا يمكن أن تتحول، عبر الكيمياء، إلى مادة صناعية ذات قيمة عالية بدل أن تنتهي في مدفن النفايات.

Exit mobile version