كشفت دراسة نمذجة مناخية واقتصادية أن إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي قد تساعد على تعويض جانب من الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الاحتباس الحراري، لكنها لن تحقق مكاسب متساوية لجميع الدول، إذ تشير النتائج إلى أن الاقتصادات الأكثر ثراءً ستكون المستفيد الأكبر، بينما ستظل مناطق عديدة تعاني خسائر لم تتمكن من استردادها حتى مع انخفاض تركيزات الكربون.
وأظهرت النماذج أن إزالة الكربون يمكن أن تعزز الناتج الاقتصادي في معظم مناطق العالم، لكن آسيا وأوروبا فقط تمكنتا من استعادة ما لا يقل عن حجم الخسائر التي تكبدتهما خلال مرحلة ارتفاع درجات الحرارة، في حين ظلت الخسائر المتراكمة أكبر من المكاسب في بقية القارات.
وتأتي الدراسة في وقت تعتمد فيه تقييمات مناخية عديدة على إزالة ثاني أكسيد الكربون باعتبارها أحد المسارات المساعدة لتحقيق أهداف اتفاق باريس للمناخ، لكنها تتجاوز حساب تكاليف هذه العملية، لتبحث في انعكاس عودة المناخ إلى ظروف أكثر برودة على الاقتصادات المختلفة، ومدى توزيع المكاسب والخسائر بين الدول.
وقادت وينتينج هو، من معهد فيزياء الغلاف الجوي التابع للأكاديمية الصينية للعلوم، الدراسة بالتعاون مع وينجوان وانج من جامعة تشجيانغ، واستخدم الفريق محاكاة مناخية ونموذجًا للذكاء الاصطناعي لتحليل العلاقة بين التغيرات الجوية والنشاط الاقتصادي.
ونُشرت النتائج في دورية The Innovation.
وأكد الباحثون أن السيناريوهات المبسطة التي اعتمدوا عليها لا تمثل تنبؤات مباشرة بمستقبل أي اقتصاد، وإنما تجارب نمذجة تهدف إلى فهم الاتجاهات المحتملة.
كيف يؤثر الطقس في الاقتصادات؟
استند الباحثون إلى دراسات سابقة ربطت بين النمو الاقتصادي في الولايات والمقاطعات والتغيرات اليومية في درجات الحرارة وهطول الأمطار، بما في ذلك الظواهر الجوية المتطرفة.
وأشاروا إلى أن بعض الأساليب المستخدمة في هذه الأبحاث تعتمد على علاقات خطية أو منحنيات بسيطة لوصف تأثير الطقس في النشاط الاقتصادي، وهو ما قد لا يعكس التعقيد الكامل لهذه العلاقة.
كما ركزت دراسات إزالة الكربون السابقة بدرجة كبيرة على تكاليف التخلص من الغاز، بينما حظيت المكاسب الاقتصادية المحتملة الناتجة عن تحسن الظروف المناخية باهتمام أقل.
ولمعالجة هذه الفجوة، طور الفريق نموذجًا للتعلم العميق يحمل اسم EconClimNet، وهو نموذج للذكاء الاصطناعي يتعلم الأنماط والعلاقات من خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات.
تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي
جمع الباحثون سجلات اقتصادية تخص 1554 ولاية ومقاطعة ومنطقة إدارية مشابهة في 77 دولة، وربطوها بـ111 مؤشرًا محليًا للطقس خلال الفترة من عام 1979 إلى عام 2016.
وشملت المؤشرات عدد أيام هطول الأمطار سنويًا، إلى جانب مجموعة من المتغيرات المرتبطة بدرجات الحرارة والأحوال الجوية.
وأخذ النموذج في الحسبان أيضًا الحدود الوطنية، إذ ربط المناطق الواقعة داخل الدولة الواحدة بصورة أوثق، نظرًا إلى أن اقتصاداتها تميل إلى التأثر بعوامل مشتركة، وقد تتحرك في اتجاهات متقاربة.
ودرب الفريق النموذج باستخدام بيانات الفترة من 1979 إلى 2008، ثم اختبر قدرته على التحليل من خلال بيانات لم يسبق له التعامل معها، تغطي الفترة من 2014 إلى 2016.
وفي تقدير إجمالي الناتج الاقتصادي، سجل النموذج درجة 0.77 على مقياس تصل فيه الدرجة المثالية إلى 1، مقارنة بـ0.59 لأفضل نموذج ذكاء اصطناعي آخر تمت المقارنة به.
تأخر استجابة المناخ عن تغير مستويات الكربون
استخدم الباحثون بعد ذلك ستة نماذج مناخية ضمن مشروع المقارنة الدولي CMIP6، الذي يعتمد تجارب موحدة لتقييم أداء النماذج المناخية المختلفة.
وافترضت المحاكاة أن تركيز ثاني أكسيد الكربون يبدأ عند مستواه المسجل عام 1850، ثم يرتفع بنسبة 1% سنويًا حتى يصل إلى أربعة أمثال مستواه الأصلي، قبل أن يسلك المسار نفسه في الاتجاه العكسي، بحيث تنخفض التركيزات تدريجيًا إلى مستواها الأول.
واستمرت كل مرحلة من مرحلتي الارتفاع والانخفاض 140 عامًا.
وأظهرت النتائج، أن التغيرات في درجات الحرارة وهطول الأمطار بلغت ذروتها بعد نحو 20 عامًا من وصول تركيز ثاني أكسيد الكربون إلى ذروته، بما يعكس وجود تأخر زمني في استجابة المناخ للتغيرات في تركيزات الغاز.
والأكثر أهمية أن عودة ثاني أكسيد الكربون إلى مستواه المسجل عام 1850 لم تؤدِ إلى عودة المناخ بالكامل إلى حالته السابقة؛ إذ ظلت الأرض أكثر دفئًا ورطوبة، مع انخفاض التقلبات اليومية في درجات الحرارة.
تعافٍ مناخي غير مكتمل رغم إزالة الكربون
قيّم الباحثون مدى عودة أربعة مؤشرات جوية إلى مستوياتها السابقة، هي متوسط درجات الحرارة، والتقلبات اليومية في درجات الحرارة، وعدد أيام هطول الأمطار، وأعلى كمية أمطار تسقط خلال يومين متتاليين.
واعتبروا أن تسجيل نسبة تعافٍ تبلغ 100% يعني العودة الكاملة إلى الحالة المناخية الأصلية.
وأظهرت النتائج، أن المؤشرات الأربعة سجلت مستويات تعافٍ تجاوزت 80% في معظم أنحاء العالم، وكان التعافي الأفضل من نصيب التقلبات اليومية في درجات الحرارة، بينما كانت العودة أقل اكتمالًا في متوسط درجات الحرارة وعدد أيام الأمطار على معظم القارات.
وسجل شمال أمريكا الشمالية ووسط أوراسيا تعافيًا أضعف في متوسط درجات الحرارة، إذ ظلت هذه المناطق أكثر دفئًا مقارنة بظروفها السابقة.
وتشير هذه المحاكاة إلى أن إزالة ثاني أكسيد الكربون لا تضمن إعادة المناخ إلى حالته الأصلية بالكامل، حتى بعد عودة تركيزات الغاز إلى مستوياتها السابقة.
المكاسب والخسائر الاقتصادية بين القارات
عندما أدخل الباحثون نتائج المحاكاة المناخية إلى نموذج EconClimNet، أظهرت النتائج أن الناتج الاقتصادي العالمي يتراجع عمومًا مع ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون، بينما يتحسن في معظم المناطق بمجرد بدء مرحلة إزالة الغاز من الغلاف الجوي.
وكانت مؤشرات هطول الأمطار من بين العوامل الجوية الأكثر تأثيرًا في تقديرات النموذج للنتائج الاقتصادية.
وسجلت أوقيانوسيا أكبر خسائر اقتصادية خلال مرحلة الاحترار، بانخفاض وسيط في الناتج بلغ نحو 1.53 مليون دولار سنويًا، لكنها حققت أيضًا أكبر مكاسب خلال مرحلة إزالة الكربون، بنحو 1.41 مليون دولار سنويًا، وهي مكاسب لم تكن كافية لتعويض خسائرها السابقة.
أما آسيا، فقد حققت مكاسب سنوية بلغت نحو 1.23 مليون دولار خلال إزالة الكربون، مقابل خسائر بلغت 1.13 مليون دولار خلال مرحلة الاحترار، ما يعني أن مكاسبها تجاوزت خسائرها السابقة.
وفي أوروبا، تقاربت الخسائر والمكاسب عند نحو 1.22 مليون دولار سنويًا، بما يشير إلى تعادل تقريبي بين المرحلتين.
أما بقية القارات، فلم تتمكن من استعادة كامل ما خسرته خلال ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعبر عن اتجاهات ونتائج داخل النموذج المستخدم، ولا تمثل توقعات فعلية للناتج الاقتصادي في الاقتصادات الحقيقية.
لماذا تستفيد الدول الغنية أكثر؟
قسّم الباحثون الدول إلى مجموعتين، إحداهما تضم الاقتصادات الأكثر ثراءً والأخرى الاقتصادات الأقل ثراءً، بالاعتماد على متوسط الناتج الاقتصادي للفرد.
وأظهرت النتائج أن المجموعتين تكبدتا خسائر مع ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون، لكن الخسائر كانت أكبر في الدول الغنية، حيث بلغ الانخفاض الوسيط في الناتج نحو 1.57 مليون دولار سنويًا، وتراجعت جميع القطاعات الاقتصادية التي شملها التحليل.
وفي الدول الأقل ثراءً، سجل قطاع التصنيع نموًا طفيفًا خلال مرحلة الاحترار، لكن هذا التحسن لم يكن كافيًا لتعويض الخسائر في الزراعة والخدمات.
ويرى الباحثون أن قطاع التصنيع في الاقتصادات الأقل ثراءً قد يكون أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الجوية المتطرفة، مقارنة ببعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
وعندما بدأت مرحلة خفض ثاني أكسيد الكربون، تحسن الأداء الاقتصادي في المجموعتين، لكن الدول الأكثر ثراءً حققت مكاسب أكبر، بلغ وسيطها نحو 1.56 مليون دولار سنويًا.
قطاع الخدمات يحقق أكبر المكاسب من إزالة الكربون
أظهر تحليل القطاعات الاقتصادية أن الخدمات، بما يشمل تجارة التجزئة والخدمات المصرفية والسياحة، حققت أكبر المكاسب خلال مرحلة إزالة الكربون.
وكان عدد أيام هطول الأمطار المتتالية هو المؤشر الجوي الأكثر تأثيرًا في نتائج النموذج بالنسبة إلى هذا القطاع.
وتتفق هذه النتيجة مع دراسات سابقة توصلت إلى أن الأنشطة الخدمية تتأثر بدرجة كبيرة بمعدلات هطول الأمطار، كما أن قطاع الخدمات يمثل حصة أكبر من اقتصادات الدول الغنية، وهو ما يرجح أنه أحد العوامل التي تفسر حصولها على مكاسب اقتصادية أكبر عند إزالة الكربون.
في المقابل، لم يشهد قطاع الزراعة تغيرًا كبيرًا على المستوى الإجمالي، بل سجل انخفاضًا في الناتج داخل الدول الأكثر ثراءً خلال مرحلة إزالة الكربون.
وفسر الباحثون ذلك بأن درجات الحرارة انخفضت بصورة أكثر حدة في هذه الدول، وهو ما قد يزيد الأضرار التي تلحق بالمحاصيل نتيجة الصقيع وموجات البرد.
دعوة إلى مراعاة العدالة المناخية
حذر الباحثون من أن التفاوت في المكاسب المحتملة لإزالة الكربون قد يوسع الفجوة بين الدول، مؤكدين ضرورة أن تراعي خطط إزالة ثاني أكسيد الكربون احتياجات الدول الأكثر عرضة للتأثيرات المناخية والأقل قدرة على تحقيق مكاسب اقتصادية من هذه العملية.
وأشاروا إلى أن تمويل المناخ يمكن أن يسهم في معالجة هذا التفاوت، بما في ذلك أسواق الكربون والقروض المقدمة بشروط تمويلية ميسرة، لمساعدة المناطق التي يُتوقع أن تستفيد بدرجة أقل من خفض تركيزات الغاز.
وتعكس هذه الدعوة أهمية ربط سياسات إزالة الكربون بمبادئ العدالة المناخية، بحيث لا تقتصر الاستفادة من تحسن المناخ على الاقتصادات الأكثر قدرة على الاستثمار والتكيف.
سيناريو افتراضي لا يمثل خطة تنفيذ قريبة
رغم أهمية النتائج، شدد الباحثون على أن الدراسة اعتمدت تجربة مبسطة للغاية؛ إذ افترضت ارتفاع تركيزات ثاني أكسيد الكربون وانخفاضها بصورة منتظمة، مع إبقاء جميع العوامل الأخرى المؤثرة في المناخ عند مستوياتها المسجلة عام 1850.
كما أن إزالة كميات ضخمة من الغاز بهذه السرعة تمثل تحديًا تقنيًا وعمليًا كبيرًا في ظل التكنولوجيا المتاحة حاليًا.
ولم تحاكِ الدراسة طريقة محددة لإزالة الكربون، مثل زراعة الغابات أو التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرة من الهواء أو إضافة المعادن القلوية إلى مياه البحار.
كذلك لم تدخل تكاليف المشروعات الفعلية أو احتياجاتها من الطاقة في الحسابات، وهي عوامل قد تؤثر بصورة كبيرة في جدواها الاقتصادية.
وأوضح المؤلفون، أن نتائجهم لا تمثل خارطة طريق لتنفيذ هذه العمليات على المدى القريب، وإنما تجربة لاستكشاف العلاقة المحتملة بين تغير المناخ والأداء الاقتصادي خلال فترات زمنية طويلة.
قيود النموذج والحاجة إلى مزيد من الدراسات
يعتمد نموذج EconClimNet على افتراض استمرار العلاقات التي رصدها بين الطقس والناتج الاقتصادي في الماضي عبر فترة محاكاة تمتد لنحو ثلاثة قرون، وهو افتراض قد لا يعكس جميع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي يمكن أن تحدث خلال هذه المدة.
وأقر الباحثون بأن بعض المكاسب الاقتصادية التي أظهرها النموذج قد تكون ناتجة جزئيًا عن خصائص أو قيود في طريقة عمله، وليس بالضرورة عن تأثيرات مناخية حقيقية.
كما اقتصرت السجلات الاقتصادية المستخدمة على 77 دولة، واستبعد الفريق المناطق التي لم تتوافر عنها بيانات كافية، فضلًا عن أن النموذج لا يقدم تفسيرًا كاملًا للأسباب التي تقف وراء بعض نتائجه أو العوامل التي أدت إلى التغيرات التي رصدها.
ويعتزم الباحثون العمل على جعل آليات استدلال النموذج أكثر قابلية للفحص والتفسير، إلى جانب إجراء تجارب مناخية إضافية تساعد على التمييز بين المكاسب الاقتصادية الحقيقية والنتائج التي قد تكون ناتجة عن قيود النموذج.
