كشفت السيول التي شهدتها مناطق من جنوب سيناء في مصر، عن التفاعل المعقد بين العوامل الجوية والتضاريس الجبلية، وكيف يمكن لأمطار غزيرة خلال فترة محدودة أن تتحول إلى تدفقات مائية جارفة تجتاح الأودية وتندفع نحو المناطق المنخفضة.
ورصدت وزارة الموارد المائية والري جريان السيول في عدد من الأودية الممتدة من دهب إلى طابا، مع تدفقات باتجاه وادي وتير وخليج العقبة.
وفي المقابل، أشارت الوزارة إلى أن منشآت الحماية وحصاد المياه تمكنت من احتجاز نحو 13.4 مليون متر مكعب من مياه السيول، بما يتيح الاستفادة من جزء منها بدلًا من فقدانه بالجريان نحو البحر.
لكن كيف تبدأ هذه الظاهرة؟ وما الذي يجعل قطرات المطر المتساقطة على الجبال تتحول إلى تيارات مائية قوية تبدو أحيانًا كأنها جدار يتحرك بسرعة نحو المناطق المنخفضة؟
منظومة جوية مهدت لهطول الأمطار
تبدأ القصة من الظروف الجوية التي ساعدت على تكوّن السحب الممطرة واستمرار الحالة الجوية، وتضافرت عدة عوامل، من بينها منخفض جوي في طبقات الجو العليا فوق البحر المتوسط، ومرتفع جوي متمركز فوق العراق وإيران أسهم في إبطاء حركة المنخفض وإطالة مدة تأثيره.
ويمكن للأنظمة الجوية المتقابلة، أن تغير مسارات الكتل الهوائية وتؤثر في سرعة تحرك المنخفضات الجوية، ما قد يؤدي إلى استمرار الظروف المهيئة للأمطار على منطقة معينة مدة أطول من المعتاد.
وهنا يأتي دور موجات روسبي، وهي تموجات واسعة النطاق في حركة الهواء بالغلاف الجوي، في تشكيل نمط الدوران الجوي، وإلى تغير موقع التيار النفاث المداري نحو خطوط عرض أكثر جنوبًا.
والتيار النفاث عبارة عن نطاق من الرياح القوية في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، ويمكن أن يؤثر موقعه واتجاهه في حركة الأنظمة الجوية وتوزيع الهواء والرطوبة، وعندما تتفاعل هذه العوامل مع أنماط الرياح المختلفة، قد تتوافر ظروف تساعد على رفع الهواء الرطب إلى مستويات أعلى، وتكوين السحب الممطرة.
وقد أسهمت الرياح القادمة من اتجاهات مختلفة والرطوبة المتدفقة من البحر الأحمر في تهيئة الظروف لتكوّن سحب رعدية وهطول أمطار غزيرة، كما ساعدت الجبال في سيناء على رفع الهواء الرطب إلى أعلى، في عملية تعرف باسم «الرفع التضاريسي»، عندما تجبر التضاريس الكتل الهوائية على الصعود فوق المرتفعات.
ومع اجتماع الرطوبة والرفع الجوي والظروف المناسبة لتكوّن السحب، ازدادت فرص هطول الأمطار على المناطق الجبلية وأحواض التصريف في جنوب سيناء.
من قمم الجبال إلى مجاري الأودية
بعد سقوط الأمطار، تبدأ المرحلة الثانية من الظاهرة، وهي انتقال المياه من المنحدرات والمرتفعات إلى الأودية.
وأوضح عصام أن مياه الأمطار التي لا تتسرب إلى التربة تتحرك بفعل الجاذبية من المناطق المرتفعة إلى المنخفضة، وتبدأ في الانسياب عبر الشقوق والمسارات الصغيرة والشعاب، قبل أن تتجمع في مجارٍ أكبر تصب في الأودية الرئيسية.
وأشار الدكتور محمود شاهين، المدير العام للتنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية، في تصريحات صحفية، إلى أن مراحل تشكل السيول في مناطق من سيناء امتدت على مدار ثلاثة أيام، مع هطول الأمطار على الجبال والمرتفعات، ثم انتقال المياه عبر الشعاب ومجاري السيول وتجمعها في مسارات أكثر اتساعًا.
وتؤدي أحواض التصريف دورًا أساسيًا في هذه العملية؛ فهي مناطق تتجمع مياه الأمطار المتساقطة عليها وتتجه، عبر شبكة من المجاري الطبيعية، نحو نقطة تصريف مشتركة. وكلما اتسعت مساحة الحوض وزادت كمية الأمطار التي يتلقاها، ارتفعت كمية المياه التي قد تصل إلى المجرى الرئيسي.
لماذا لا تمتص التربة الصحراوية كل مياه المطر؟
قد يبدو أن التربة الصحراوية الجافة قادرة على امتصاص كميات كبيرة من المياه، لكنها لا تتصرف بالطريقة نفسها في جميع المواقع. فمعدل تسرب المياه إلى باطن الأرض يتوقف على طبيعة التربة والصخور، ودرجة تماسكها، ووجود الشقوق، وشدة المطر ومدته.
وبعض الأسطح الصخرية والتربة المتماسكة تحد من نفاذ المياه، خاصة عندما تهطل الأمطار بكثافة خلال فترة قصيرة. وإذا تجاوز معدل سقوط المطر قدرة السطح على امتصاص المياه، يبدأ الفائض في الجريان فوق الأرض ويتجه إلى الشعاب والأودية.
كما يمكن أن يؤدي ضعف الغطاء النباتي على المنحدرات إلى زيادة سرعة الجريان السطحي؛ إذ تعترض النباتات جزءًا من مياه الأمطار وتبطئ حركتها، بينما يساعد الغطاء النباتي والتربة المناسبة على تعزيز تسرب المياه وتقليل انجراف التربة.
وعندما تجتمع الأمطار الغزيرة مع الانحدارات الشديدة وضعف قدرة السطح على امتصاص المياه، يمكن أن تتشكل السيول الخاطفة حتى في مناطق لا تشهد أمطارًا منتظمة على مدار العام.
كيف يتحول السيل إلى جدار مائي؟
تزداد خطورة السيول عندما تصل المياه المتجمعة إلى المجرى الرئيسي للوادي، إذ تستمر روافد صغيرة وشعاب متعددة في تغذيته بالمياه القادمة من مساحات واسعة.
وتجمع كميات كبيرة من المياه داخل مجرى محدود العرض قد يؤدي إلى ارتفاع المنسوب بسرعة وزيادة سرعة التدفق وقوته. وإذا كان المجرى ضيقًا أو شديد الانحدار، فقد تندفع المياه في صورة جبهة مرتفعة تبدو كأنها جدار مائي يتحرك نحو المناطق المنخفضة.
ولا تقتصر محتويات السيل على المياه وحدها؛ فقد يحمل معه الرمال والحصى والصخور والأغصان ومخلفات أخرى جرفتها المياه من المنحدرات، وتزيد هذه المواد من قدرة التدفق على إتلاف الطرق والمنشآت، كما قد تسد بعض المعابر والمجاري، فتغير اتجاه المياه أو ترفع منسوبها في مواقع محددة.
ولهذا لا ترتبط خطورة السيل بكمية الأمطار في موقع واحد فقط، بل تشمل أيضًا مساحة حوض التصريف، وشدة الانحدار، وطبيعة سطح الأرض، وسرعة تجمع المياه في المجرى الرئيسي.
خرائط مخاطر السيول تكشف المناطق الأكثر عرضة
تؤكد الأبحاث المتعلقة بأحواض التصريف في مصر أهمية تحديد المناطق الأكثر قابلية لتشكل السيول، خصوصًا في البيئات الجبلية والصحراوية التي قد تتعرض لتدفقات مفاجئة.
وقد استخدم باحثون مصريون تقنيات نظم المعلومات الجغرافية، المعروفة اختصارًا بـGIS، لإعداد خرائط للمناطق المحتمل تعرضها للسيول، مع تحليل خصائص أحواض التصريف في سيناء والعوامل التي تتحكم في تجمع المياه وجريانها.
وأظهرت نتائج الدراسة أن نحو 5% من الأحواض التي شملها التحليل تقع ضمن فئة القابلية المرتفعة جدًا للسيول، بينما صُنّف نحو 25% ضمن فئة القابلية المرتفعة، ونحو 5% ضمن فئة القابلية المتوسطة إلى المرتفعة، وحوالي 20% ضمن فئة القابلية المتوسطة.
وبذلك، يقع نحو 30% من الأحواض ضمن فئتي القابلية المرتفعة والمرتفعة جدًا، وفق تصنيف الدراسة.
وأوصى الباحثون بإجراء دراسات تفصيلية للأحواض الأكثر عرضة للسيول، ووضع خطط لحماية السكان والممتلكات والبنية التحتية، استنادًا إلى خصائص كل منطقة ومسارات تدفق المياه المحتملة.
حصاد مياه السيول والحد من مخاطرها
توضح السيول الأخيرة أن المياه التي تتحول إلى خطر على الطرق والتجمعات السكنية يمكن، عند التخطيط الجيد، أن تمثل موردًا مائيًا مهمًا في المناطق الجافة.
وقد أشارت وزارة الموارد المائية والري إلى احتجاز نحو 13.4 مليون متر مكعب من مياه السيول عبر منشآت الحماية وحصاد المياه في جنوب سيناء.
وتساعد هذه المنشآت على إبطاء التدفقات أو احتجاز المياه وتوجيهها وفق تصميماتها، بما يحد من بعض آثار السيول ويتيح فرصًا للاستفادة من المياه المخزنة. لكن فاعليتها تعتمد على مواقعها وسعتها التصميمية وحالة صيانتها، فضلًا عن حجم التدفقات التي تتعرض لها.
وتشمل إدارة مخاطر السيول كذلك تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث خرائط أحواض التصريف، وتجنب البناء في المسارات الطبيعية للمياه، وتأمين الطرق والمعابر التي تقطع الأودية، ورفع الوعي بالمخاطر التي قد تنشأ حتى عندما لا تكون الأمطار غزيرة في الموقع نفسه.
فالسيول الخاطفة ليست مجرد نتيجة لسقوط المطر، بل حصيلة تفاعل بين الغلاف الجوي والتضاريس والتربة وشبكات التصريف الطبيعية. وفهم هذه العوامل يتيح تحسين الاستعداد للمخاطر، وفي الوقت نفسه تعزيز الاستفادة من مياه الأمطار في المناطق التي تعاني ندرة الموارد المائية.
