تأثير التغيرات المناخية على الموارد الوراثية لأشجار الفاكهة: الآثار والحلول

كتبت: د.علا عبد الستار

تُعد الأصول الوراثية لأشجار الفاكهة أحد أهم الموارد البيولوجية التي يعتمد عليها القطاع الزراعي في تحقيق الأمن الغذائي، وتحسين الإنتاجية، وتطوير أصناف جديدة قادرة على التكيف مع الظروف البيئية المتغيرة.

وتشمل هذه الأصول الأصناف المحلية والتقليدية، والسلالات الوراثية، والأقارب البرية للمحاصيل، والمواد الوراثية التي تحمل صفات مهمة، مثل تحمل الجفاف والملوحة وارتفاع درجات الحرارة ومقاومة الآفات والأمراض.

تُمثل التغيرات المناخية أحد أشد التهديدات المؤثرة على الموارد الوراثية لأشجار الفاكهة في مصر والعالم، لما تُحدثه من ارتفاع متسارع في درجات الحرارة، وتغير أنماط سقوط الأمطار، ونقص في البرودة اللازمة لبعض الأنواع، وتزايد في ملوحة الأراضي وندرة المياه.

ويعرض هذا المقال، استنادًا إلى بحوث منشورة محكمة وتقارير دولية موثقة، أبرز آثار هذه التغيرات على الأصناف المحلية و الاقارب البرية لأشجار الفاكهة وعلى إنتاجيتها.

حيث تؤكد التقارير العلمية الدولية أن الأرض تشهد تغيرًا مناخيًا متسارعًا تنعكس آثاره على جميع قطاعات الإنتاج الزراعي.

وفي مصر تحديدًا، تشير دراسات بحثية حديثة إلى أن متوسط درجات الحرارة ارتفع بمعدل ٠٫٥٣ درجة مئوية كل عقد خلال الثلاثين عامًا الأخيرة، وأنه من المتوقع أن يزداد المتوسط السنوي بنحو ٢٫١ درجة مئوية بحلول منتصف القرن الحالي وبنحو ٤٫٤ درجة مئوية بنهايته.

كما تتوقع الدراسات المناخية أن يزداد الاحتياج المائي لمحاصيل الصيف بنحو ١١٪ وللمحاصيل الشتوية بنحو ١٣٪ بنهاية القرن، في ظل دولة تقترب أصلًا من حد الشح المائي المطلق.

وتزداد خطورة هذه التغيرات في حالة أشجار الفاكهة بصورة خاصة؛ فهي محاصيل معمرة لا تستبدل سنويًا كالمحاصيل الحقلية فأي تغير مناخي ممتد كفيل بإضعاف بساتين كاملة.

بل وقد يمتد إلى فقدان أشجار وأصناف محلية متكيفة مع ظروف بيئية محددة، وتُعد الموارد الوراثية لهذه الأشجار (أي الأصناف المحلية والاقارب البرية) الاساس الذي يعتمد عليه المزارع والمنتقي في تطوير أصناف قادرة على مواجهة الحرارة والجفاف والملوحة؛ ولذلك فإن فقدان هذا التنوع يعني تجريد الزراعة المصرية من خياراتها المستقبلية للتكيف.

أولًا: آثار التغيرات المناخية على الموارد الوراثية لأشجار الفاكهة

يُعد ارتفاع درجات الحرارة الأثر الأكثر مباشرة على أشجار الفاكهة حيث تؤثر على العمليات الفسيولوجية والحيوية لأشجار الفاكهة، بما في ذلك البناء الضوئي والتنفس ونمو الأفرع وتكوين البراعم الزهرية وعقد الثمار.

إذ تحتاج الأنواع المعتدلة مثل التفاح والكمثرى والخوخ والجوز إلى تجميع ساعات برودة محددة لكسر سكون البراعم وحدوث التزهير، وقد أظهرت دراسة عالمية واسعة قُيمت فيها بيانات ٤٢٩٣ محطة أرصاد أن المناطق الدافئة من العالم ستخسر بحلول نهاية القرن ما يصل إلى ٤٠ وحدة ساعة برودية، وهو ما يهدد استمرار إنتاج هذه الأنواع في مواقعها التقليدية ويجبر على استبدال أصنافها.

كما تؤدي موجات الحرارة أثناء مراحل الإزهار والعقد إلى ضعف تخصيب الأزهار وسقوط الثمار حديثة العقد وصغر حجمها وارتفاع حموضتها، وقد وُثقت هذه الآثار بوضوح في الحمضيات.

وتتفاوت استجابة الأشجار لهذه الظروف تبعًا للتركيب الوراثي والصنف والأصل المستخدم في التطعيم. لذلك، قد تمثل الأصناف المحلية التي أظهرت تحملًا نسبيًا للحرارة مصدرًا وراثيًا مهمًا لبرامج التربية والتحسين الوراثي

كما أكدت مراجعة حديثة متخصصة في استجابة أشجار الفاكهة للإجهادات غير الحيوية أهمية اختلاف الاستجابة بين التراكيب الوراثية والأصول الجذرية في تحديد قدرة الأشجار على تحمل الحرارة والجفاف والملوحة.

وفي مصر، أظهرت دراسة مصرية حديثة حللت احتياجات خمس أصناف حمضيات تجارية على مدى أحد عشر موسمًا أن هذه الاحتياجات تتفاوت من نحو ٣٠٣٠ وحدة حرارية للمندرين فريمنت إلى نحو ٤٤٠٠ وحدة للترنجة بيرس، وأن لكل صنف مدى حراري مثالياً يحدد موقعه الأفضل من المناطق الزراعية.

ويترتب على ارتفاع درجات الحرارة تحول هذا المدى؛ فقد يجد بعض الأصناف نفسه في مناطق لم تعد ملائمة له حراريًا، فتتراجع إنتاجيته وجودته، ويضطر المزارعون إلى التخلي عنها لصالح أصناف تجارية قليلة، وهو شكل مباشر من أشكال التآكل الوراثي للأصناف المحلية.

أما الأخطر على المدى البعيد فهو التآكل الوراثي؛ وتزداد الخطورة عندما تكون هذه الأصناف محدودة الانتشار الجغرافي، أو مرتبطة ببيئات محلية مهددة، أو حاملة لصفات نادرة مثل تحمل الحرارة أو الجفاف أو الملوحة.

فقد اوضح بحث علمي حديث ان فقدانًا واسعًا في تنوع الأصناف المحلية في مختلف مناطق العالم نتيجة هيمنة عدد محدود من الأصناف التجارية، مؤكدًا أن الظروف المناخية القاسية تدفع المزارعين إلى التخلي عن أصناف تقليدية كانت أصلًا على حافة الفقد.

وتتعرض الاقارب البرية لأشجار الفاكهة، وهي كنز الجينات المقاومة للأمراض والجفاف، لانحسار حاد في مواطنها الملائمة مع ارتفاع الحرارة واشتداد الجفاف.

وفي مصر يتضافر مع ذلك ارتفاع منسوب سطح البحر وملوحة أراضي شمال الدلتا (قلب مناطق إنتاج الحمضيات والعنب) واشتداد قلة المياه، وهي عوامل تهدد بساتين قديمة تحمل في طياتها أصنافًا محلية اتسمت بتكيفها مع بيئتها منذ عقود طويلة.

ثانيًا: حلول عملية لتقليل الأضرار الواقعة على الموارد الوراثية

هناك اقتراحات عملية للحماية وتقليل الأضرار تشمل:

-إنشاء قاعدة بيانات وطنية للأصول الوراثية مرتبطة بالمناخ ويُفضل ربط هذه البيانات بخرائط درجات الحرارة والأمطار والجفاف والملوحة، وببيانات الإنتاج الزراعي. ويمكن استخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد لإنشاء خريطة للتهديدات المناخية توضح مناطق وجود الأصول الوراثية الأكثر تعرضًا للخطر.

-جمع الموارد الوراثية المهددة بالفقد والأقارب البرية، والأصناف التي تنمو في البيئات الهامشية أو أظهرت تحملًا للظروف القاسية وحفظها قبل زوالها في بنوك الجينات؛ فالعالم يحفظ اليوم أكثر من سبعة ملايين عينة من الموارد الوراثية النباتية في نحو ١٧٥٠ بنك جينات ، وتوصي منظمة الأغذية والزراعة بالحفظ المزدوج لأشجار الفاكهة المعمرة: حفظ حقلي في بنوك جينات ميدانية يجاوره حفظ معملي بزراعة الأنسجة والتبريد العميق كسند احتياطي ضد الكوارث.

ويتكامل مع ذلك الحفظ المزرعي الذي يُبقي الأصناف المحلية في حقول المزارعين أنفسهم، فيظل التنوع حيًّا مستمرًا في التطور مع بيئته.

ثم يأتي توظيف هذا التنوع المحفوظ في برامج الاستزراع والانتقاء لإنتاج أصناف جديدة متحملة لحرارة الصيف والجفاف وملوحة مياه الري، وقليلة الاحتياجات من الساعات البرودية، ومتأخرة الإزهار لتتجاوز موجات الحرارة الربيعية، وهو اتجاه أثبتت الدراسات العالمية جدواه في تكيف قطاع البستنة.

ويكتسب اختيار الجذور المتحملة للملوحة والجفاف، كما في الحمضيات، أهمية خاصة في الأراضي المتأثرة بالملوحة؛ إذ تمنح الشجرة قدرة أعلى على الصمود دون تغيير الصنف الأصلي.

-تقييم الأصول الوراثية تحت ظروف الإجهاد المناخي ويفضل في مواقع تختلف ظروفها المناخية، لأن نجاح الصنف في بيئة واحدة لا يثبت بالضرورة تفوقه في جميع البيئات. كما ينبغي فصل تحمل الإجهاد عن الإنتاجية والجودة؛ فقد يتحمل أحد الأصناف الجفاف، لكنه ينتج محصولًا أقل أو ثمارًا أقل جودة.

كانت هناك دراسات لتقدير الاحتياجات الحرارية للأصناف نموذجًا عمليًا يمكن تعميمه على المانجو والعنب والزيتون وغيرها؛ فقياس وحدات الحرارة لكل صنف في كل منطقة يتيح إعادة توزيع الأصناف على مناطق تتفق مع احتياجاتها الحرارية، كزراعة الأصناف عالية الاحتياج الحراري في المناطق الأكثر دفئًا والأقل احتياجًا في المناطق الأعتدل، مع إدخال الأصناف الجديدة على ضوء هذه الخرائط بدلًا من التوسع العشوائي.

وايضا مجموعة من الممارسات الزراعية الذكية التي تحمي الشجرة والثمرة من صدمات المناخ: الري بالتنقيط والري المدروس لترشيد الاستهلاك، وتغطية التربة لتقليل البخر، ومصدات الرياح والتظليل والمواد العاكسة للأشعة كالكاولين لتلطيف الحرارة داخل البستان، مع تنويع الأصناف داخل البستان الواحد لتوزيع المخاطر. ويُلخص هذا الجدول (1) أبرز هذه الآثار والحلول المقابلة لها.

تأثير التغيرات المناخية على الموارد الوراثية لأشجار الفاكهة

ونناشد في النهاية ان الموارد الوراثية لأشجار الفاكهة رأس مال وطني لا يمكن استعادته بعد فقدانه؛ فكل صنف محلي يزول اليوم يُطفئ خيارًا من خيارات الأجيال القادمة في مواجهة مناخ يزداد قسوة.

والمطلوب برنامج وطني متكامل تشارك فيه مراكز البحوث والجامعات والجمعيات الزراعية والمزارعون أنفسهم، يقوم على: مسح شامل للأصناف المحلية المهددة في مختلف المحافظات، وتوسيع بنوك الجينات الحقلية، ودعم بحوث إكثار وتوسع زراعي للأصناف المتحملة، وتوجيه المزارعين نحو مطابقة أصنافهم لمناخهم الجديد؛ بحيث تتحول الموارد الوراثية من ضحية للتغير المناخي إلى أقوى أدوات التكيف معه.

↑
Exit mobile version