كشفت دراسة حديثة أن أسطح المنازل منخفضة التكلفة في جنوب أفريقيا قد تمثل أحد أكثر الحلول فاعلية لمواجهة الجوع والفقر وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال تزويدها بأنظمة الطاقة الشمسية وخزانات حصاد مياه الأمطار، بما يخفف الأعباء المالية على الأسر الفقيرة ويزيد قدرتها على توفير الغذاء.
وتأتي هذه النتائج في وقت تواجه فيه جنوب أفريقيا أزمة متفاقمة تتمثل في ارتفاع معدلات الجوع، إلى جانب تزايد آثار تغير المناخ، مثل موجات الحر والفيضانات والجفاف وندرة المياه، وهو ما يزيد الضغوط على ملايين الأسر محدودة الدخل.
أكثر من 3.5 مليون منزل يمكن استغلال أسطحها
استندت الدراسة، التي أُجريت ضمن رسالة دكتوراه في دراسات التنمية، إلى منازل RDP، وهي مساكن حكومية مدعومة تبلغ مساحة معظمها نحو 40 مترًا مربعًا، شُيدت بعد نهاية نظام الفصل العنصري ضمن برنامج إعادة الإعمار والتنمية.
ويبلغ عدد هذه المنازل أكثر من 3.5 مليون منزل في مختلف أنحاء جنوب أفريقيا، ما يجعلها منصة واسعة يمكن استغلالها لتوليد الطاقة وجمع مياه الأمطار.
توفير أكثر من 30% من النفقات الشهرية
بحثت الدراسة العلاقة بين المياه والطاقة والغذاء، بهدف معرفة مدى قدرة أنظمة الطاقة الشمسية وخزانات مياه الأمطار على خفض فواتير الكهرباء والمياه، وانعكاس ذلك على الأمن الغذائي للأسر منخفضة الدخل.
وأظهرت النتائج أن تركيب هذه الأنظمة يمكن أن يخفض النفقات الشهرية للأسر بأكثر من 30%، وهو ما يمنح العائلات قدرة أكبر على شراء الغذاء أو إنتاجه محليًا.
وأشار الباحث إلى أن السياسات الحكومية بدأت بالفعل تتجه نحو إدراج تقنيات الطاقة الشمسية وحصاد مياه الأمطار في مشروعات الإسكان الجديدة، إلا أن ملايين المنازل القديمة لا تزال تفتقر إلى هذه التجهيزات.
الأمن الغذائي يبدأ من المياه والطاقة
أكدت الدراسة أن الأمن الغذائي لا يرتبط فقط بتوافر الغذاء، بل يعتمد أيضًا على إمكانية الوصول إلى المياه والطاقة وفرص كسب الدخل.
فكلما انخفضت نفقات الكهرباء والمياه، ازدادت قدرة الأسرة على تخصيص جزء أكبر من دخلها لشراء الطعام أو زراعة
الخضراوات.
وتشير تجارب دولية إلى نجاح هذا النهج؛ ففي الهند أسهمت أنظمة الري بالطاقة الشمسية في زيادة أرباح المزارعين، بينما ساعدت أنظمة الطاقة الشمسية وشبكات الكهرباء المصغرة في شرق أفريقيا على تحسين الري وحفظ الأغذية وتعزيز الأمن الغذائي.
كما أثبتت أنظمة حصاد مياه الأمطار في عدة دول أفريقية قدرتها على رفع إنتاج المحاصيل وتحسين سبل المعيشة.
تجربة ناجحة في نيروبي
استشهدت الدراسة بنتائج من العاصمة الكينية نيروبي، حيث أدى تركيب خزان واحد لحصاد مياه الأمطار إلى زيادة إنتاج الأسرة من المحاصيل الزراعية من 40 كيلوجرامًا إلى 96 كيلوجرامًا سنويًا، وهو ما يعكس الإمكانات الكبيرة لهذه التقنية في دعم الأمن الغذائي.
منطقة فيليبّي الزراعية نموذجًا
ركزت الدراسة على منطقة فيليبّي الزراعية الواقعة جنوب شرقي مدينة كيب تاون، والتي تضم نحو 38 مزرعة بين تجارية وعائلية وصغيرة ومتوسطة.
وتعد المنطقة من أهم المناطق الزراعية في المدينة، إذ تنتج نسبة كبيرة من الخضراوات الطازجة، وتعتمد على المياه الجوفية والطاقة الكهربائية في عمليات الري والإنتاج والتخزين.
لكن التوسع العمراني المتسارع، إلى جانب تدهور شبكات الصرف الصحي، يهددان جودة المياه الجوفية التي تعتمد عليها الزراعة.
25 ألف لتر من مياه الأمطار سنويًا
اعتمد الباحث على نموذج لمنزل حكومي تبلغ مساحة سطحه 50 مترًا مربعًا، وبالاستناد إلى متوسط معدلات الأمطار في كيب تاون، توصل إلى أن الأسرة الواحدة يمكنها جمع نحو 25 ألف لتر من مياه الأمطار سنويًا.
وهذه الكمية تكفي لتغطية نحو 64% من متوسط احتياجات الأسرة الشهرية من المياه.
توفير يصل إلى ربع دخل الأسرة
أوضحت الدراسة أن أنظمة حصاد مياه الأمطار يمكن أن توفر ما بين 84 و861 راندًا جنوب أفريقيًا شهريًا، بحسب تعريفة المياه المحلية.
وعند دمجها مع الطاقة الشمسية، قد تصل الوفورات إلى نحو 395 راندًا شهريًا للأسر التي تعيش على دخل يقارب 1268 راندًا شهريًا، أي ما يعادل توفيرًا يقارب 25% من دخل الأسرة.
زيادة استهلاك الغذاء بنسبة 22%
تشير نتائج الدراسة إلى أن الأموال التي ستوفرها الأسر من فواتير الكهرباء والمياه يمكن إعادة توجيهها نحو شراء الغذاء أو إنشاء حدائق منزلية صغيرة.
وقدرت الدراسة أن هذه الوفورات قد تؤدي إلى زيادة استهلاك الغذاء بنحو 22%، مع تحسن واضح في القدرة على شراء الفواكه والخضراوات واللحوم والأسماك، فضلًا عن دعم تغذية الأطفال والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.
دعوة إلى استراتيجية وطنية
دعت الدراسة إلى إدراج حصاد مياه الأمطار والطاقة الشمسية ضمن استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال شراكة بين الحكومة والبلديات ومؤسسات التمويل التنموي والجامعات والمنظمات غير الحكومية وشركات الطاقة المتجددة.
وأكد الباحث أن تنفيذ المشروع تدريجيًا سيكون ممكنًا من خلال استثمارات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، كما سيوفر آلاف فرص العمل في مجالات تصنيع الخزانات، وتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، وأعمال السباكة، وصيانة البنية التحتية، والزراعة الحضرية.
واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن نجاح هذه المبادرات يتطلب تنسيقًا أكبر بين الجهات المسؤولة عن المياه والطاقة والغذاء، باعتبارها قطاعات مترابطة يجب التخطيط لها بصورة متكاملة لضمان تحسين مستوى معيشة الأسر وتعزيز قدرتها على مواجهة تغير المناخ.
