وجهات نظر

د.معتز محمد أبو زيد: العدالة المناخية (2-2)

قاض – محاضر مواد القانون العام "خبير تشريعات حقوق الانسان "

التعريف والنطاق

استقر مصطلح العدالة ضمن المصطلحات الاجتماعية الراسخة التي ينظر إليها الأفراد على أنها أحد دعامات استقرار المجتمع والوصول الى قيمه الفاضلة و من أهمها الوصول الى تحقيق العدل والبحث عن الحقيقة وارساء قواعد المسئولية بل و تطبيق العقاب وفقا لنصوص وقواعد صحيحة ومتفق عليها، حيث يشكل كل ما سبق معنى العدالة في إجراءاتها وما تصبو اليه من صيانة حقوق الأفراد وتنظيم المجتمع.

وفي إطار التعامل مع ما يواجهه العالم حاليا من مشكلات التغير المناخي وما يصاحب ذلك من متابعة الانبعاثات الكربونية وما صاحبه من ارتفاع في درجة حرارة الأرض، والتأثير على حفظ التنوع البيولوجي وسلامة السلاسلات ، وكذلك استخدامات انواع الوقود و التوعية باستخدام الطاقة المتجددة، وما قد يؤثر على اقتصاديات الدول الكبرى و الاقتصاديات الدول النامية و كذلك ما يرتبط في ذلك بحقوق الأجيال القادمة في بيئة صالحة لحياة الإنسان، فان مصطلح العدالة يظهر بقوة ويفرض نفسه على هذه المجالات .

ومما لا شك فيه أن استخدام مصطلح العدالة في نطاق مواجهة التغير المناخي يحمل الأوجه السايسية والأخلاقية والقانونية والاقتصادية والحقوقية المختلفة لتحقيق هذه العدالة المناخية، اذ أن مواجهة هذه المشكلات يرتبط بمسئوليات تاريخية ، وعلاقات دولية لها جذور سياسية و أهداف اقتصادية لا تخفى على أحد وكذلك ما تفرضه هذه التغيرات المناخية من التزامات أخلاقية وقانونية على العديد من الأطراف تجعل فكرة العدالة المناخية تخرج من نطاق العدالة المعتاد، وهو تطبيق نص بهدف حل قضية الى نطاق أوسع وأشمل .

وبناء على هذا التعشعب والتعمق في فكرة العدالة المناخية فان وضع تعريف محدد واصطلاح دقيق لفكرة العدالة المناخية هو أمر بالغ الصعوبة نظرا لحداثة تداول هذه الفكرة مع قدمها، وتراكم نتائجها على مر سنوات بل عقود طويلة، بجانب التشعب في مجالات التغير المناخي، مما يزيد من صعوبة هذا التعريف بما يمكن أن يوضح أبعاد هذه العدالة ليتم تطبيقها سيايا و قانونيا واخلاقيا واقتصاديا على نحو فعال يعبر عن هذا العدالة، وكذلك يحقق الهدف منها، وهو التوصل الى اتفاقات لحل مشكلات التغيير المناخي بما يسمح بتحديد الأدوار والمشاركات والمسئوليات بما يحد من تفاقم هذه المشكلة، وما يترتب عليها من نتائج .

واضافة لما تقدم فان التعريف الجامع المانع لكل الجوانب التي ترتبط بها عملية لعدالة المناخية ليس كافيا بحد ذاته حتى و ان راعينا فيه الحداثة و التجديد في هذا المصطلح و تطبيقاتها في الوضع الحالي لقضية التغير المناخي، وانما يتعين كذلك التعامل مع هذا التعريف و المطلح من قبيل التطور التغير كل يوم، حيث أن قضية التعير المناخي وأن كانت قد بدأت في شكل مواجهة تلوث بيئي، ومواجهة اتبعاثات كربونية.

فقد وصلت الآن الى بحث استخدام مصادر طاقة جديدة وطبيعية والتعامل مع طاقة الهيدروجين والطاقة النظيفة والمشروعات التكنولوجية صديقة البيئة، ومن ثم فان التجديد لا يعني أن مشكلة العدالة المناخية قد وصلت الى صورة جديدة يجب مواكبتها ولكن التغير الذي يواجهه تعريف العدالة المناخية هو جانب آخر أولى، بالاعتبار ليكون تعريف ومصطلح العدالة المناخية طالح للتطبيق مهما ظهر من أوجه العدالة المناخية، ونطاق تطبيقها في مواجهة حالات التغير المناخي المختلفة .

ونظرا لتعدد الجانب التي يجب أن يغطيها مصطلح العدالة المناخية عند تعريفه من حيث الارتباط بجانب الحداثة ومتابعو التطور والتغيير الذي يطرأ عليه فان طبيعة العدالة في شأن مشكلات التغير المناخي ومواجهة الانبعاثات والوصول الى مصادر طاقة جديدة هي ليست عدالة تبغي العقاب بقدر ما هي عدالة تشكل الانصاف في توزيع المسئوليات وتحديد الأدوار والمواجهة لهذه الحالات من التغير المناخي وترتيب الأولويات ليس بهدف تحديد المسئول عن الخطأ وإنما بقصد تحديد المسئول عن المبادرة والمشاركة في الاصلاح .

إن فكرة العدالة المناخية لا شك تتخذ الصورة الأقرب الى العدالة الاجتماعية، فالأمر في الوقت الراهن أصبح لا يقتصر على مواجهة الانبعاثات الضارة والبحث عن مصادر طاقة جديدة و لكن الأمر أصبح الآن في نطاق البحث عن مصادر آمنة ومستدامة للغذاء، وبحث قضايا الأمن المائي وهو بعد لا يمكن تجاهله عند وضع تعريف للعدالة المناخية وهو ما يتعين النظر إليه، واعتباره على أنه صورة جديدة لا مهرب منها من صور التطور الذي يلاحق فكرة العدالة المناخية على نحو ما تقدم .

وفي اطار ما تقدم فان وضع تعريف للعدالة المناخية و حدود هذا الاصطلاح ينبغي ألا تطغى عليه أسباب واعتبارات قد تؤثر فيه فهي ليست مسارا للانتقام بين دول العالم عند مناقشة فكرة المسئولية بين هذه الدول أو أن تعتبر هذه العدالة مبررا لانتقام من شعب معين أو حرمانه من تعامل معين مع حقوقه وحرياته تحت ظل العدالة المناخية أو اتخاذ هذه العدالة مبررا لتوقيع عقوبات دون جدوى بعيدا عن فكرة تشارك المسئولية و مواجهة المسئوليات .

وفي ذات السياق لا يمكن لأي طرف احتكار هذه العدالة من الدول المتقدمة و ما تحمله من مسئوليات أو من دول نامية من قبيل ما تعرضت له من أضرار، ولا شك أن دخول مجالات الاستثمارات و التمويل لتحقيق التنمية المستدامة التي تهتم بها الدول حاليا وأعلنتها الأمم المتحدة في مطلع القرت الحالي ومن ضمنها محاربة الفقر و تحقيق الأمن المائي و الحفاظ على البيئة.

ستمهد طريقا جديدا وجيدا للوصول الى العدالة المناخية أو على الأقل رسم ملامح لهذه العدالة حتى مع اعتبارات الربح وما تهدف اليه هذه الاستثمارات من تحقيق منافع وأموال، إلا أنها لن تبتعد عن المساهمة في تحقيق العدالة المناخية، اذ أن الامر لا مفر من توفير الدعم المادي له حتىو لو من قبيل الاستثمارات اللازمة لذلك .

ان اختلاف معيار العدالة المناخية المرتبطة بقضية التغير المناخي عن معايير العدالة المتداولة لدى الأفراد بشأن غيرها من القضايا و تفرع أطراف و موضوعات هذه العدالة وأسسها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية والقانونية يصعب من وضع تعريف جامع ومتطور لها لمواجهة القضية والوصول الى الحل الذي هو رأس أولويات هذه العدالة .

ولكن لا يمكن اخفاء المصطلح و عدم تفعيله حتى مع صعوبة وضع تعريف و مصطلحه، وأن التمرس في إجراءات هذه العدالة المناخية و

تفعيلها هو السبيل الأفضل لتحقيقها و مع ذلك التحقيق يمكن الوصول للاصطلاح والتعريف وهو ما قد يخالف غيرها من المصطلحات لطبيعة قضيتها وأبعاد هذه العدالة، مما يمكن أن نستنتج معه أن صعوبة التعريف لا يبرر غياب هذه العدالة، وأن تعريفها خطوة على طريق هذه الحقيقة التي يسمو اعتبار تحقيقها على مشكلات الاصطلاح وصعوبة التعريف .

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: