وجهات نظر

د.فوزي يونس: تغير المناخ ومحيطاتنا المتغيرة

أستاذ ورئيس وحدة فسيولوجيا الأقلمة بمركز بحوث الصحراء

المحيطات هي قوة عالمية من قوى الطبيعة التي تشكل أساس الكوكب الأزرق الذي نعيش عليه. إنها تغطي 71٪ من سطح كوكبنا وتشكل 95٪ من كل المساحة المتاحة للحياة. إنها نظام دعم الحياة للأرض وتزودنا بالسلع والخدمات المجانية من الطعام الذي نأكله إلى الأكسجين الذي نتنفسه كما تنظم المحيطات أيضا المناخ العالمي فهي تتوسط درجات الحرارة وتقود الطقس وتحدد هطول الأمطار والجفاف والفيضانات. كما أنها تعد أكبر مخزون للكربون في العالم حيث يتم تداول ما يقدر بنحو 83٪ من دورة الكربون العالمية عبر المياه البحرية. كما أن البحار والمحيطات تحمل وطأة آثار الإحتباس الحراري الذي يأتي بالمقام الأول من صنع الإنسان وبإعتبارهم أكبر بالوعة كربون Carbon Sink على كوكب الأرض يمتص المحيط الحرارة الزائدة والطاقة المنبعثة من ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المحصورة في نظام الأرض. اليوم يمتص المحيط حوالي 90 في المائة من الحرارة الناتجة عن ارتفاع الإنبعاثات. مع ارتفاع درجة حرارة المحيطات بسبب الحرارة الزائدة والطاقة المفرطة يؤدي التغير في درجة الحرارة إلى تأثيرات متتالية لا مثيل لها بما في ذلك ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر وموجات الحر البحرية وتحمض مياه المحيطات Ocean Acidification.

كيف يؤثر تغير المناخ علي المحيطات؟

فيما يلي بعض النتائج الرئيسية لتأثيرات تغير المناخ على المحيطات سواء إرتفاع مستوى سطح البحر تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر في العقود الأخيرة بسبب زيادة فقدان الجليد في المناطق القطبية في العالم. تُظهر أحدث البيانات الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية World Meteorological Organization أن متوسط مستوى سطح البحر العالمي وصل إلى مستوى قياسي جديد في عام 2021 حيث ارتفع بمعدل 4.5 ملم سنويًا خلال الفترة من 2013 إلى 2021.

جنبا إلى جنب مع تكثيف الأعاصير المدارية أدى ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تفاقم الأحداث المتطرفة مثل العواصف المميتة والمخاطر الساحلية مثل الفيضانات والتعرية والانهيارات الأرضية والتي من المتوقع الآن أن تحدث مرة واحدة على الأقل في السنة في العديد من المواقع. حدثت مثل هذه الأحداث مرة كل قرن تاريخيًا وعلاوة على ذلك أظهرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخIntergovernmental Panel on Climate Change (IPCC) إن العديد من المناطق مثل غرب المحيط الهادئ الاستوائية وجنوب غرب المحيط الهادئ وشمال المحيط الهادئ وجنوب غرب المحيط الهندي وجنوب المحيط الأطلسي تواجه مستوى سطح البحر أسرع بكثير. هذا وترتفع موجات الحر البحرية تضاعف تواتر موجات الحر البحرية وأصبحت تدوم لفترة أطول وأكثر كثافة واتساعًا. كما أوضحت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن التأثير البشري كان المحرك الرئيسي لزيادة حرارة المحيطات التي لوحظت منذ سبعينيات القرن الماضي.

حيث حدثت غالبية موجات الحر بين عامي 2006 و 2015 ، مما تسبب في تبيض المرجان على نطاق واسع وتدهور الشعاب المرجانية وفي عام 2021 تعرض ما يقرب من 60 في المائة من سطح المحيط في العالم لنوبة واحدة على الأقل من موجات الحر البحرية. كما أوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة The UN Environment Programme إن كل واحدة من الشعاب المرجانية Coral Reefs في العالم يمكن أن تبيض بحلول نهاية القرن إذا استمرت المياه في الإرتفاع.

هذا ويمكن أن يحدث تبيض المرجان عندما تفقد الشعاب الطحالب المجهرية التي تحافظ على حياتها تحت الضغط حيث بدأ التبييض العالمي الأخير في عام 2014 وامتد إلى عام 2017 وانتشر عبر المحيط الهادئ والهندي والمحيط الأطلسي. هذا ويمكن القول بأن فقدان التنوع البيولوجي البحري نتيجة لإرتفاع درجات الحرارة يزيد من مخاطر الخسارة التي لا رجعة فيها للنظم الإيكولوجية البحرية والساحلية. كما لوحظت تغيرات واسعة النطاق بما في ذلك الأضرار التي لحقت بالشعاب المرجانية وأشجار المانغروف Mangroves والتي تدعم الحياة في المحيطات وهجرة الأنواع إلى خطوط العرض والإرتفاعات الأعلى حيث يمكن أن تكون المياه أكثر برودة. كما أوضحت أحدث التقديرات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة تحذر من أن أكثر من نصف الأنواع البحرية في العالم قد تكون على وشك الإنقراض بحلول عام 2100.

ما الدور الذي تلعبه المحيطات في التخفيف من حدة تغير المناخ؟

المحيط يمتصُّ ثاني أكسيد الكربون (CO2) الذي ينطلق في الغلاف الجوي بفعل الأنشطة البشرية، فإن كيمياء كربونات وحموضة مياه البحر تتعدَّل في عملية تُعرف باسم تحمُّض مياه المحيطات Ocean Acidification.

وفي حين أن ذلك يقلِّل كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ويحد بشكل كبير من تغيُّر المناخ وتحمض المحيطات فإن المشكلة التي يشار إليها أحياناً باسم “مشكلة ثاني أكسيد الكربون الأخرى” قد ظهرت كقضية عالمية رئيسية في العقد الفائت بسبب احتمال تأثيرها في الكائنات البحرية والدورات الكيميائية البيولوجية الجيولوجية. هذا وعلى الرغم من أن انخفاض الأس الهيدروجيني في سطح المحيط (“إمكانية الهيدروجين” وهو مقياس للحموضة أو القلوية) أمر يمكن اكتشافه بالفعل فإنه من الصعب تقدير التأثير الكامل لتحمض المحيطات على الكائنات الحية البحرية ويتضح ذلك بالشكل المرفق. وتظهر الدراسات طائفة واسعة من الآثار المحتملة الإيجابية منها والسلبية على حد سواء حيث تظهر الأنواع المختلفة مستويات مختلفة من القدرة على الصمود والقدرة على التكيف.

ودون مستوى معين من الأس الهيدروجيني وما يقابله من تركيز الكربونات تصبح الظروف تآكلية لكربونات الكالسيوم التي يستخدمها العديد من الكائنات في بناء أصدافها وهياكلها. وقد تكون بعض الشعاب المرجانية والقواقع البحرية والرخويات ذات الصدفتين والعوالق النباتية المتكلسة حساسة بشكل خاص للتغيرات في كيمياء مياه البحر. والطاقة المستهلكة للتغلب على ظروف التحمُّض المتفاقمة قد تقلل من الطاقة المتاحة للعمليات الفيسيولوجية مثل التناسل والنمو. ويستخدم العلماء في مختبرات البيئة التابعة للوكالة التقنيات النظيرية لاستقصاء آثار تحمض المحيطات وتفاعله مع عوامل الإجهاد البيئية الأخرى.

وتمثل المحيطات بالوعة هامة لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وتؤدي دورا رئيسيا في تنظيم المناخ. ويتم امتصاص ثاني أكسيد الكربون من قبل المحيطات ويمكن أن تشدّه وتنقله الكتل المائية ويمكن امتصاصه أثناء عملية التمثيل الضوئي وتحويله إلى مادة عضوية. ويُعاد تدوير جزء كبير من هذه المادة العضوية في سطح المحيط عندما تتغذّى عليها وتفتتها العوالق الحيوانية والميكروبات. ومع ذلك، جزءٌ صغير ولكن مهم من هذه المادة يغرق نحو أعماق المحيط حيث يُعزل هناك عن الغلاف الجوي لعدة قرون. ويمثل هذا المطر المنهمر من المادة العضوية الغارقة مصدر طاقة مهما للكائنات البحرية في أعلى السلسلة الغذائية وتتحكّم معدلات هذه العمليات الفيزيائية والبيولوجية في التوازن بين الكربون في الغلاف الجوي والمحيطات. وقد تعدّل التغيرات في درجة حرارة أو كيميائية المحيطات هذه المعدلات مما يؤدي إلى تحوُّل في توازن الكربون عالمياً.

ما أهم الآثار لإرتفاع درجة حرارة المحيطات؟

• الكائنات البحرية التي تتكيف مع المياه الأكثر دفئًا ستوسع نطاقها في المياه وقد تحل الأنواع الغازية محل الأنواع الموجودة وسوف تتأثر مصايد الأسماك إذا تحركت الأنواع المستهدفة.
• إذا ارتفع متوسط درجة حرارة المحيطات العالمية بمقدار درجتين مئويتين فمن المتوقع أن ينخفض صيد الأسماك في المناطق الإستوائية بشكل كبير بينما قد تزداد الأسماك القريبة من القطبين هذا له تداعيات على الأمن الغذائي حيث يعتمد الكثير من الناس في المناطق الإستوائية على الأسماك في نسبة كبيرة من البروتين الذي يتناولونه.
• من المحتمل أن يؤدي ارتفاع درجة حرارة المياه الساحلية إلى خلق مشاكل لتربية الأحياء المائية مثل انخفاض الإنتاج والتي قد تحتاج على المدى الطويل إلى الإنتقال.

• تؤدي المحيطات الأكثر دفئًا والحموضة إلى زيادة تبيض المرجان وتعطيل النظم البيئية الشاسعة والمعقدة التي تعيش في الشعاب المرجانية.

• ترتفع مستويات سطح البحر حيث تحتل المياه الأكثر دفئًا حجمًا أكبر ويضاف المزيد من الماء من ذوبان الجليد في المناطق القطبية.

ما هي الأثار الاجتماعية والاقتصادية Social-Economic المتوقعه؟

حيث تسبب هذه التغييرات في النهاية تأثيرا دائما على التنوع البيولوجي البحري وحياة المجتمعات الساحلية وسبل عيشها وما وراءها بما في ذلك حوالي 680 مليون شخص يعيشون في المناطق الساحلية المنخفضة وحوالي 2 مليار شخص يعيشون في نصف المدن الكبرى في العالم الساحلية ما يقرب من نصف سكان العالم (3.3 مليار) يعتمدون على الأسماك للحصول على إحتياجاتهم من البروتين وحوالي 60 مليون شخص يعملون في مصايد الأسماك وقطاع تربية الأحياء المائية في جميع أنحاء العالم. هذا ومن المستحيل تقدير القيمة الإقتصادية للمحيطات الحية بالنسبة لنا كبشر؛ فهي في الأساس المتطلب الأساسي الفعلي للوجود البشري. إلا أنه لا شك في أن آثار تغير المناخ على المحيطات ستؤدي إلى تكلفة اقتصادية كبيرة. فعلى سبيل المثال قدرت تكلفة انخفاض السياحة بسبب تبييض المرجان بنحو 12 مليار دولار سنوياً. وعند تضمين خدمات النظام البيئي المفقودة من الشعاب فإن التكلفة السنوية من المقدر أن تصل إلى تريليون دولار بحلول عام 2100 ولكن التكلفة الكبيرة بالفعل سيتم قياسها بمدى الإنخفاض في صحة البشر وسلامتهم.

وفي النهاية يمكن ملاحظة أنه مع ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.1 درجة مئوية حاليا يقدر بنحو 60 في المائة من النظم البيئية البحرية في العالم تم تدهورها بالفعل أو يتم استخدامها بشكل غير مستدام. يهدد الإحترار بمقدار 1.5 درجة مئوية بتدمير 70 إلى 90 في المائة من الشعاب المرجانية وتعني الزيادة بمقدار درجتين مئويتين خسارة ما يقرب من 100 في المائة وصولا لنقطة اللاعودة A point of no return الخسارة التي لارجعة فيها للنظم الإيكولوجية البحرية والساحلية لهذا إن دراسة المحيطات يعد أمر ضروريا نظرا لدورها في تختزين معظم الحرارة التي تحتجزها غازات الإحتباس الحراري.

كما انها تؤدي دوراً رئيسياً في كيفية تطور تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري. ويعتبر وجود الجليد الدائم في القطبين الشمالي والجنوبي متطلباً أساسياً لإستقرار الكوكب وسيكون للارتفاع الذاتي في حرارة القطب الشمالي آثار هائلة على المناخ العالمي ولذلك نأمل أن يكون هذا هو آخر جرس إنذار من الكوكب حتى نجتمع نحن سكان هذا الكوكب وننجح في تحقيق نقطة التحول.

تابعنا على تطبيق نبض

Comments

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: